وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أنه قال: «كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ أتدري مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟» . قَالَ: قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوه، وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لاَ تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا» رواه البخاري ومسلم [1] .
وقد فسر العلماء رحمهم اللَّه العبادة بمعان متقاربة، من أجمعها ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - إذ يقول [2] : «العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة, وهذا يدل على أن العبادة تقتضي: الانقياد التام للَّه تعالى, أمرًا ونهيًا واعتقادًا وقولًا وعملًا, وأن تكون حياة المرء قائمة على شريعة اللَّه, يحل ما أحل اللَّه، ويحرم ما حرم اللَّه, ويخضع في سلوكه وأعماله وتصرفاته كلها لشرع اللَّه, متجردا من حظوظ نفسه، ونوازع هواه, ليستوي في هذا الفرد والجماعة, والرجل والمرأة, فلا يكون عابدًا للَّه من خضع لربه في بعض جوانب حياته, وخضع للمخلوقين في جوانب أخرى, وهذا المعنى يؤكده قول اللَّه تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
(1) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب اسم الفرس والحمار، برقم 2856، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، برقم 30.
(2) العبودية، لشيخ الإسلام اين تيمية، ص 3.