والآيات تدل على أن الله قد ألهم البشرية كلها بأنه هو ربها وإلهها . وأنه ليس لها رب ولا إله غيره . وأنه أخذ عليها ميثاقًا بذلك: ( قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا ) ، فلم يعد يقبل منهم أن يقولوا يوم القيامة: نسينا وكنا غافلين عن هذا الميثاق ! أو يحتجوا بأن آباءهم أشركوا وأنهم اتبعوهم في شركهم لأنهم من ذريتهم ! فشرك الآباء لا يبرِّر للأبناء أن يحيدوا عن ميثاق الفطرة ، لأنه عهد بينهم وبين الله ولا دخل للآباء فيه ! وإن كان الله من رحمته لا يحاسب الناس بميثاق الفطرة وحده ، وإنما يحاسبهم بعد تذكرتهم على يد الرسل . ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) [ النساء: 165 ] .
ولا يعذبهم حتى يبعث لهم رسولًا يبلغهم: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) [ الإسراء: 15 ] .
كذلك يقول الله في القرآن في سورة الروم عن أمر الفطرة: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ الروم: 30 ، 31 ] .
فهاتان الآيتان تدلان على أن الدين القيم - وهو توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده دون شريك - هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها .
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحدثنا بأن الإسلام - أي إسلام الوجه لله وعبادته وحده دون سواه - هو دين الفطرة ، إذ يقول عليه الصلاة والسلام:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة (1) ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (2) .
(1) أي على الإسلام .
(2) متفق عليه .