ولكن حين تهتز حقيقة التوحيد في النفس ويغشِّيها الشرك ، فإن النفس تنحطّ فتشغلها الأرض . يشغلها المتاع الزائل فتتكالب عليه وتنسى القيم العليا والجهاد من أجل إقامتها وتحقيقها . ويكون جهادها صراعًا خسيسًا على هذا المتاع الزائل يتقاتل من أجله الأفراد والدول والشعوب .. وتصبح الحياة البشرية محكومة بقانون الغاب ، القوي ياكل الضعيف ، والغلبة للقوة لا لصاحب الحق .. وهو الأمر الذي نراه سائدًا في الجاهلية المعاصرة في كل منحى من مناحي الحياة . ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) [ الحج: 31 ] .
ومن آثاره القضاء على عزة النفس ووقوع صاحبه في العبودية الذليلة:
إن العزة الحقيقة هي التي تُسْتَمدّ من الإيمان بالله الواحد: ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) [ المنافقون: 8 ] .
فالمؤمن على يقين من تلك الكلمة التي يردِّدها في كل صلاة: الله أكبر .. الله أكبر من كل شيء ومن كل أحد . ومن ثم يحسّ المؤمن الذي تعلق قلبه بالله أنه عزيز بتلك القوة المستمدة من العبودية الحقة لله الحق ، فهو الإله الخالق الرازق الضار النافع المحيي المميت ، المالك للأمر كله بلا شريك . ومن ثم لا يعود يخشى الأشياء ولا الأشخاص ولا الأحداث: لأنه يعلم أن الله هو المدبر الحقيقي لكل ما في الكون ، وأن أحدًا في الكون كله لا يملك شيئًا مع الله . فعلام إذًا يذل لغير الله ؟ علام يبذل من كرامته وعزته لبشر مثله ، عاجز ولو كانت في يده مظاهر القوة ، ضعيف وإن كان جبارًا في الأرض ، محتاج مثله لما عند الله لأن الله هو الحي القيوم وكل ما عداه صائر إلى زوال ؟!
كلا .. لا يبذل المؤمن من عزته لأحد غير الله .
ولكن المشرك لا يعرف هذه العزة ولا يتذوقها .