إن دلالتها الحقيقية أن فطرة هذا الطفل قد بدأت تستيقظ ، بدأت تتعرف على خالق السماوات والأرض من خلال مخلوقاته المشهودة المحسوسة ، بدأت رويدًا رويدًا تتعرَّف على حقيقة الألوهية التي أشهدها الله عليه منذ خلقها ، وبدأ إدراكها لها ينمو كما تنمو البذرة الكامنة في باطن الأرض ، حتى تترعرع وتخضر .
وأن هناك تأثيرات عدة تقع على حس الإنسان فتوقظه إلى حقيقة وجود الله ووحدانيته وتفرده .
الكون بضخامته الهائلة ودقته المعجزة لا بُدّ أن يوقظ الإنسان إلى هذه الحقيقة:
فهذه الأبعاد الهائلة في السماوات والأرض ، وهذه الأجرام السماوية الضخمة التي لا يحصيها العد ... من أوجدها ؟
إن الأرض - وهي جرم صغير جدّا بالنسبة للأجرام السماوية - تحتوي من الجبال والسهول والمحيطات والبحار والأنهار ما نستغرق سنوات العمر كلها في محاولة التعرف عليه ، ثم لا نستطيع أن نتعرَّف إلا على جزء يسير منه ، فكيف - مثلًا - بالمجموعة الشمسية التي تكون أرضنا جزءًا منها ؟ وكيف بالمجرة التي تُعد مجموعتنا الشمسية جزءًا ضئيلًا منها ، وكيف بالكتل السماوية الأخرى التي تشمل ملايين وملايين من مثل مجرتنا ؟ وملايين وملايين النجوم التي تُعد شمسنا صغيرة بالقياس إليها ؟!
والكون مع ضخامته هذه دقيق دقَّة معجزة .. فالليل والنهار يتعاقبان في دقة متناهية إلى حد أننا نضبط ساعتنا عليها ! والحقيقة أن الكون كله مضبوط في دورته الفلكية لدرجة أن ساعات المراصد - التي هي أدق الساعات التي بين أيدينا ، والتي نضبط عليها ساعات الإذاعة وغيرها ، والتي تقيس الوقت بجزء على ألف من الثانية - هي ذاتها تُضبط على دورة الفلك المتناهية في الدقة ، والتي لا تضطرب دورتها على مر العصور والأجيال ، إلى أن يشاء الله ...
ثم إن كل كائن من الكائنات التي خلقها الله يتسم بهذه الدقة المعجزة سواء أكان من الكائنات الحية أم الكائنات الجامدة .