وهكذا نجد أن جهاد الرسل جميعًا متعلق بتلك القضية الكبرى: قضية التوحيد . قضية الإيمان بالله واليوم الآخر .
وأن جهدهم كله كان منصرفًا إلى إعادة الناس إلى حظيرة الإيمان بعد شرودهم عنها ، وردهم إلى رؤية الحق الذي عموا عنه ، والارتفاع بهم من انتكاس الحيوان إلى رفعة الإنسان ، الذي شرفه الله بالخلافة في الأرض ، وفضله على كثير ممن خلق ، ليقوم بعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني ، الذي يكفل للبشر سعادتهم وطمأنينتهم في الحياة الدنيا ، ويكفل لهم في الآخرة الجنة والرضوان .
قبل مجيء الإسلام كانت البشرية كلها قد تردت إلى حالة شديدة من السوء ، وظلمات لا يبدو فيها بصيص من النور .
لم تكن الجزيرة العربية وحدها هي التي تسودها الجاهلية . وإنما كانت الجاهلية تعم وجه الأرض كلها بغير استثناء .
كانت هناك دولتان"عظيمتان"هما فارس والروم ، تحكمان معظم الأرض المعمورة يومئذ ، ولكل منهما"حضارة"تاريخية ! ولكن على أي شيء كانت تقوم تلك"الحضارات"؟ وعلى أي مستوى فكري وروحي ومادي كان يعيش"الإنسان"في داخلها ؟
في فارس كان كسرى هو الذي يحكم . ولكنه لم يكن ملكًا ، إنما كان إلهًا .. ! كانت مراسيم التحية التي تقدم له أشبه شيء بشعائر التعبد ! لم يكن يحق لأحد أن يدخل عليه حتى يمر بحاجب وراء حاجب ، فإذا مثل بين يديه انحنى له انحناءة عظيمة ، ويظل منحنيًا حتى يؤذن له بنصب قامته ! فإذا تكلم قدم لكلامه بعبارات من الثناء تُشعر بالخضوع والمذلة أكثر مما تُشعر بالرغبة في الثناء ! ثم إذا انصرف لم يحق له أن يعطي ظهره للإله المعبود ! بل يخرج بظهره ، حتى يظل وجهه هو المواجه لكسرى حتى يغيب عن ناظريه ، لأنه لا يجوز في حق ذلك الإله المزعوم أن يستدبره الناس بظهورهم لأن في ذلك ما يخدش عظمته وقداسته !!