والسبب الثاني: أن ذلك العلم في الحقيقة هو علم المسلمين . وكان الأوربيون الذين يُبْتَعَثون إلى المدارس والجامعات الإسلامية ينقلون معهم علوم المسلمين ، وينقلون معها في الوقت ذاته تأثرًا واضحًا بالإسلام والقيم والمبادئ الإسلامية ، فخشيت الكنيسة أن ينتشر الإسلام في أوربا مع الحركة العلمية المنقولة أصلًا عن الجامعات الإسلامية والعلماء المسلمين ؛ لذلك قامت تحارب العلماء الأوربيين الذين تأثروا بعلوم المسلمين محاربة وحشية . وتهددهم بالتقتيل والتعذيب والتحريق في النار حتى الموت إذا لم يتراجعوا عن الأفكار العلمية التي نقلوها عن علماء الإسلام ! وكان هذا بداية انحراف خطير بالغ الأثر في الحياة الأوربية هو فصل العلم عن الدين ، وإيجاد عداوة بين الدين والعلم ، وبين المتعلمين والدين ! واستمر هذا الانحراف يتزايد على مر العصور في أوربا حتى أصبح الدين في حس المتعلم الأوربي ممثلًا للخرافة ، وأصبحت"النظرة العلمية"في تصوره هي إبعاد مفاهيم الدين كلها عن مجال البحث العلمي ، وعدم الإشارة إلى الله أصلًا في أية حقيقة من حقائق العلم تتصل بالكون أو الحياة أو الإنسان (1) .
لم تكتف الكنيسة بما أفسدته من دين الله المنزل ، ولا بموقفها المعادي للعلم وحقائقه النظرية والتجريبية ، بل أضافت إلى ذلك طغيانًا بشعًا على أرواح الناس وعقولهم وأموالهم وأجسادهم:
(1) من هنا يقول دارون:"إن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق"، فينسب الخلق لما سماه"الطبيعة"ويرفض أن ينسبه لله . ومن هنا كذلك يرد اسم الطبيعة في الكتب العلمية الأوربية حيث كان ينبغي أن يذكر اسم الله . ويرون هناك أن ذكر اسم الله في أي بحث علمي يفقده الطابع العلمي !!