ثم وقعت بينهم وبين المسلمين سلسلة من الحروب هي المعروفة في التاريخ باسم الحروب الصليبية ، التي استغرقت قرابة قرنين من الزمان ، من القرن الحادي عشر الميلادي إلى القرن الثالث عشر .
وفي تلك الحروب احتك الصليبيون بالمسلمين وعرفوا عن كثب مزايا الحياة الإسلامية وفضائلها ، وما تحويه من حضارة وعلم ، فتأثروا بها تأثرًا بالغًا ، وحاولوا إقامة حياتهم في أوربا على ضوء بعض المبادئ والقيم التي وجدوها عند المسلمين . كما جاءهم التأثير من ناحية أخرى باحتكاكهم بالمسلمين في الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية الإسلامية وجنوب إيطاليا الإسلامي حيث كانت المدارس والجامعات الإسلامية مزدهرة يفد إليها طلاب العلم من كل مكان في الأرض . ويؤمها الأوربيون لنيل العلم على يد الأساتذة المسلمين ، ويتعلمون العربية لتلقي العلم وترجمة الكتب الإسلامية العلمية إلى لغاتهم الأوربية .
ومن هذين التأثيرين بدأت أوربا تنهض وتخرج من عصورها الوسطى المظلمة .
ولكن الكنيسة وقفت ضد الحركة العلمية التي بدأت تنشأ في أوربا .. ويرجع ذلك إلى سببين في آن واحد:
السبب الأول: خوفها على مكانتها في نفوس الجماهير . فقد كانت تلك المكانة قائمة على مجموعة من الخرافات التي تبثها الكنيسة في عقول الناس ، وتقول لهم: إن هناك في الدين أسرارًا لا يعرفها إلا رجال الدين وإن على الناس أن يخضعوا لرجال الدين خضوعًا أعمى ، ولا يسألوا عن تلك الأسرار ، وإنما يطلبون البركة من رجال الدين بطاعتهم إياهم في كل ما يأمرون به . وهم - أي رجال الدين - كفيلون بتقريبهم إلى الله بهذه الطاعة ليغفر لهم ذنوبهم .. وكانت الكنيسة تخشى إذا انتشر العلم أن تتفتح أعين الناس على تلك الخرافة وأمثالها فتضيع مكانة رجال الدين في نفوسهم ، ولا يعود للكنيسة ذلك السلطان المقدس عند الجماهير !