فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 531

كذلك أرسل عيسى عليه السلام في قوم برعوا في الطب ، وكانوا يأتون فيه بما يبهر أعين الناس . فناسب أن تكون المعجزة التي أرسل بها عيسى عليه السلام خارقة في نفس الميدان الذي برع فيه هؤلاء ليتبينوا هم أولًا ، ويتبين الناس من ورائهم ، أن المعجزة شيء آخر غير ما يصنعون هم . شيء يعجزون هم عنه رغم براعتهم ، فلا بدَّ أن يكون آتيًا من مصدر غير بشري ، أي من عند الله . لذلك كان من معجزاته معهم إبراء الأكمه والأبرص بغير دواء ولا علاج ، وفي التو واللحظة أمام ناظرهم ، وهو أمر يخالف صنع البشر ، ثم زاد على ذلك في نفس الاتجاه معجزة إحياء الموتى . فهم قد يعالجون المرضى بأي وسيلة فيتحقق الشفاء على أيديهم . أما إحياء الموتى فلا يقدر عليه إلا الله ، أو إنسان مرسل من عند الله بالمعجزة .

ولقد أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى العرب وهم أهل فصاحة وبيان ، يتباهون بفصاحتهم ، ويتيهون بها على الأمم حتى ليسمّون غيرهم عجمًا ! أي أن لسانهم غير مبين فهم أشبه بالعجماوات التي لا تنطق !

لذلك ناسب أن تكون معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم معجزة بيانية ، من نوع ما برعوا فيه ، ولكن على مستوى يدركون هم أنفسهم - وهم أهل الصنعة - أنها فوق مستوى البشر ، ويقرون بأنها لا بد أن تكون من عند الله .

حين أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مشركي العرب كذبوه بادئ ذي بدء ، وكان هذا هو المتوقع بحسب سنة الله التي بيناها من قبل ، فإن الملأ في كل جاهلية لا يمكن بحال من الأحوال أن يسلّموا بلا إله إلا الله ، التي معناها ردّ ما في أيديهم من السلطة المغتصبة التي يستكبرون بها على الناس إلى صاحبها الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى ، والرضى بمقام العبودية لله - لإنه لا إله غيره - والتخلي عن الربوبية الكاذبة التي يدعونها ، ويحلون ويحرمون بها من دون الله ، في ظل الآلهة المزيفة التي يعبدونها من دون الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت