قلنا من قبل: إن الكنيسة قامت تحارب الحركة العلمية في أوربا لأنها كانت تحمل معها تأثيرًا إسلاميًا واضحًا ، لأن المبتعثين الأوربيين إلى بلاد الإسلام كانوا يرجعون متأثرين بالروح الإسلامية ، وبما شاهدوه في بلاد المسلمين من تقدم علمي وحضاري . ونضيف هنا أن الكنيسة حين فزعت من هذا التأثير الإسلامي الذي يحمله المبتعثون معهم ، وخشيت من انتشار الإسلام في أوربا مع الحركة العلمية المستمدة من علوم المسلمين ، قامت بحملة واسعة لمحاربة هذا التأثير ، وجندت كتابها ليكتبوا ضد الإسلام ، ويشوهوا صورته النقية ، ويتهجموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتقولوا عليه الأقاويل ، ويتهموا المسلمين بكل كبيرة في الأرض ، ليحولوا بين أوربا وبين اعتناق الإسلام !
وكان لهذه الحملة المزدوجة ضد العلوم المستمدة من المسلمين وضد المسلمين والإسلام آثار بعيدة المدى في الحياة الأوربية .
فأما الحملة ضد الإسلام فقد أثرات بالفعل في نفوس الأوربيين فصدتهم عن اعتناق الإسلام ، وساعد على هذا الصد أن الهزيمة التي منى بها الصليبيون في حروبهم مع المسلمين كانت ما تزال تحز في نفوسهم . وأما الحركة العلمية والحضارية المستمدة من الأصول الإسلامية فقد مضت في سبيلها ؛ لأن الناس أحبوا ثمار العلم بعد أن أفاقوا من جهالتهم . وأحبوا ثمار الحضارة حين رأوها متاحة بين أيديهم . ولكن هذه الحركة العلمية والحضارية قامت مع الأسف على غير أساس من الدين ، بل معادية للدين في الحقيقة . ذلك أن مواقف الكنيسة السابقة كلها جعلت المثقف الأوربي المتحضر ينفر من الدين الذي تقدمه له الكنيسة وهو المسيحية ، كما أن حملة الكنيسة ضد الإسلام جعلت هذا المثقف لا يقبل الدخول في الإسلام حتى وإن كان يستمد أصول حضارته من المسلمين !