وكان الناس عبيدًا بالفعل لذلك الإله . يعيشون - أيًا كان مستواهم - على الصورة التي يسمح بها كسرى ، أو تسمح بها تقاليد الملك المتوارثة منذ أجيال . وحفنة من الناس يستمتعون بخيرات البلاد ، أولئك هم بلاط كسرى ، المتحكمون معه في رقاب العبيد ، أما بقية الشعب ففي حالة من الذل والفقر والعبودية لا تليق"بالإنسان". وكانوا يساقون إلى الحروب التي يشنها كسرى أو قواده"الطموحون"يموت منهم من يموت لغير قضية يؤمن بها ، ويحيى من بقي حيًا في ذل العبودية والضياع .
مظاهر"العظمة"ومظاهر"الحضارة"كلها في إيوان كسرى وقصره وبلاطه وكل ما يتعلق به ، أما"الشعب"فلا أهمية له إلا بمقدار ما يخدم مصالح أولئك السادة المتحكمين وعلى رأسهم ذلك"الإله"!
وهناك"فنون"نعم ، وإنتاج مادي .. ولكنه كله مسخر - مع الناس أنفسهم - لخدمة تلك المصالح المقدسة لا يخرج عنها !
أما العبادة الرسمية فهي عبادة النار !
ولهذه النار كهنة يسهرون على إيقادها حتى لا تنطفئ .. لأنها إذا انطفأت كان ذلك فألًا سيئًا على الإله الجالس على عرش الأكاسرة !
وأما الأخلاق فقد انهارت ، وتفشت شيوعية مزدك بما تحمل من إباحية وفوضى وانحلال .
أيّ هوان فكري وروحي ومادي كان يعيش فيه الإنسان في ظل تلك"الحضارات العظيمة"؟!
وفي بلاد الروم لم يكن الحال أفضل من ذلك ..
فالقيصر يحاط بالهالات كما يحاط كسرى .. والناس - كحالهم في كل جاهلية - سادة وعبيد . السادة قلة ، ولكنهم يملكون كل شيء في أيديهم ، والعبيد هم الكثرة المغلوبة على أمرها ، المسخرة لمصالح السادة .