وفي المراحل الأولى من هذا الغفلة لا ينكر المشرك وجود الله ، ولكنه يتلمس صورة محسوسة قريبة يضفي عليها في خياله بعض خصائص الألوهية من نفع وضر ، وعلم للغيب ، وتصريف للأمر بالمشاركة مع الله ! فمع أنه يعلم أن الله هو الخالق ، وأنه لا يشاركه أحد في الخلق ، إلا أنه يزعم أن فلانًا من الناس ( نبيًّا كان أو وليّا من أولياء الله الصالحين ) أو الملائكة ، أو الجن ، أو صنمًا من الأصنام يستطيع أن يضر أو ينفع ، أو يستجيب للدعاء ، أو يبسط الرزق لمن يشاء ، أو يعلم الغيب ويخبر به من يستطيع أن يتلقى عنه . وفي مثل هذه الصورة كان العرب في جاهليتهم . فقد ورد في القرآن أنهم يعرفون أن الله موجود وأنه هو الخالق: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [ الزمر: 38 ، لقمان: 25 ] .
( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) [ الزخرف: 87 ] .
ومع ذلك كانوا يشركون به الجن والملائكة والأصنام التي يعبدونها - في زعمهم - لتقربهم إلى الله زلفى !
ولكن الغفلة كما قلنا قد تمتد إلى أبعد من ذلك . فيغفل المشرك عن الله الذي: ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [ الأنعام: 103 ] .
ويتصور أن الشيء المحسوس هو الله . فهنا لا يكتفي المشرك بأن يزعم لتلك المحسوسات بعض خصائص الألوهية ، بل يضفي كل خصائص الألوهية عليها . وفي مثل هذه الصورة كان المصريون في زمن الفراعنة إذ كانوا يزعمون أن"رع"- وهو قرص الشمس - هو الخالق وهو الرازق وهو المحيي المميت ، وهو الذي يبعث الناس يوم القيامة ويحاسبهم ! كما كان المجوس ينسبون الخلق والضر والنفع والإحياء والإماتة للنار ! وفي مثل هذا المستوى كذلك كانت الجاهلية الرومانية والجاهلية الإغريقية والجاهلية الهندية والجاهلية الصينية .