فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 531

حقيقة أن عبادة الأصنام صورة واضحة ملموسة للشرك لا تحتاج إلى بيان . ولكن الشرك هو في الحقيقة أوسع دائرة من عبادة الأصنام والسجود لها وتقديم القرابين إليها . وقد اتخذ في الجاهليات المختلفة صورًا شتى ، وما يزال يتخذ إلى هذه اللحظة أشكالًا متعددة في حياة الناس في الشرق والغرب ، قد لا يلتفتون إليها ولا يدركون أنها ضروب من الشرك ، حين يحصرون صورة الشرك في أذهانهم في عبادة الأصنام فحسب .

وفي الجاهلية العربية ذاتها كانت هناك ألوان متعددة من الشرك إلى جانب عبادة الأصنام ، وعبادة الملائكة والجن ، والظن بأنها تشفع لهم عند الله أو تقربهم إلى الله زلفى .

لقد كانت"القبيلة"ربّا يُعبد مع الله أو من دون الله !

انظر إلى قول دريد بن الصمة:

وهل أنا إلا من غزيَّة إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد !

فما معنى قوله ذلك ؟

معناه أنه لا يوجد عنده معيار للرشد أو الغيّ إلا ما تقوله قبيته"غزية". بل معناه أسوأ من ذلك في الحقيقة ، معناه أن القبيلة هي التي تحل له وتحرم .. فإن غوت فهو يغوي معها ، مع علمه بأنها غاوية ؛ لأن الغي يصبح في نظره حلالًا ما دامت القبيلة قد فعلته . وإن رشدت فهو يرشد معها ، لا لأنه يرى أن الرشد هو الأصلح ، بل لأن القبيلة قد فعلته فهو الحلال في هذه اللحظة .

وفي كلتا الحالتين لا نجد أن الله موجود في حسِّه ! فهو لا يأخذ حلاله ولا حرامه من الله . ولا يتلقى منه الأمر ولا يرجع إليه في التصرف . إنما يأخذ من القبيلة ، ويتلقى عنها ، ويرجع إليها . وإذن فهي الرب الحقيقي بالنسبة إليه ، وإن كان يعرف أن الله موجود ، وأنه هو الذي خلقه وخلق السموات والأرض !

وكذلك كان عرف الآباء والأجداد عند هؤلاء الجاهليين ربّا يعبد من دون الله: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) [ لقمان: 21 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت