وقد يكون العمل في أصله موجهًا إلى الله ، ولكن يدخل معه في أثناء أدائه حب السمعة ، والسعي إلى نيل المديح من الناس ، فيكون شركًا كذلك ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (1) .
ومن هنا ينبغي أن نتنبه لأنفسنا لكي لا نقع في هذا اللون من الشرك . فإنه يكون أحيانًا ( أخفى من دبيب النمل ) .
تلك كلها ألوان من الشرك يقع فيها البشر حين ينحرفون عن طريق الفطرة السوية كما فطرها الله . وهي كلها مجافية لحقيقة التوحيد .
ذلك أن حقيقة التوحيد التي تقر بها السماوات والأرض ، ويقر بها الإنسان المؤمن ، ليست شيئًا مظهريّا ولا أمرًا جزئيًا ، إنما هي الحقيقة الجوهرية في هذا الكون كله ، وهي الركيزة الكبرى للإنسان المؤمن ، مهما تنطلق تصوراته وأفكاره ، ومشاعره وسلوكه ، وكل شيء في حياته .
ولا يتأتى أن يكون الإنسان موحدًا في جانب من جوانب حياته ، ثم يتوجه في جوانب حياته الأخرى لغير الله ، فإنه بذلك يكون قد اتخذ إلهين ، والله يقول: ( وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) [ النحل: 51 ] .
وهذه الرهبة المذكورة في الآية هي الحصيلة الحقيقية للإيمان بأقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات . وتنزيه الله عن كل شريك وتنزيه صفاته عن التشبيه والتأويل . ومؤداها هو التوجه لله وحده بالعمل كله ، سواء كان العمل صلاة ونسكًا ، أو سعيًا في الأرض وراء الرزق ، أو كسبًا أو إنفاقًا ، أو علمًا أو سياسة أو اجتماعًا أو سلمًا أو حربًا أو اعتقادًا .. إلخ: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ ) [ الأنعام: 162 ، 163 ] .
(1) متفق عليه .