ووجدت نماذج من التحلل الخلقي الذريع إلى جانب الإلحاد ، كما حدث في المزدكية التي انتشرت في بلاد فارس فترة من فترات التاريخ وأباحت شيوعية المال والنساء ، وأنشأت لونًا من الفوضى الخلقية لا مثيل له فيما سبق من القرون . وأولئك هم البذرة الأولى للشيوعية المعاصرة التي قدمها ماركس ولينين (1) .
ولكن هؤلاء وأمثالهم كانوا قلة في حياة البشرية من قبل .
ذلك أن الانحراف الأكبر الذي يقع في عقائد الناس في جاهليتهم هو الشرك كما أسلفنا وليس الإلحاد ، لأن الفطرة - وإن ضلت - تظل تؤمن بوجود الله ولكنها تشرك معه آلهة أخرى . أما الإلحاد - بمعنى إنكار وجود الله أصلًا - فهو شذوذ نادر حتى في الفطرة المنحرفة ، سببه انطماس غير عادي في البصيرة ، يجعل الإنسان يعيش بكامله في عالم الحس ، فيؤله المحسوس وحده ، وينفي وجود إله ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [ الأنعام: 103 ] .
لذلك كان الإلحاد - كما قلنا - أمرًا نادرًا في تاريخ البشرية .
أما البشرية المعاصرة فقد انتشر فيها الإلحاد بصورة غير مسبوقة من قبل . و لا بد من أن تكون هناك أسباب غير عادية هي التي أدت إلى انتشاره بهذه الصورة البالغة القبح .
إن السبب الرئيسي في إلحاد اليوم هو ذات السبب في كل إلحاد حدث في التاريخ: انطماس غير عادي في البصيرة ، يؤلِّه المحسوس وحده وينفي وجود الله .
ولكن الذي نبحث هنا عن أسبابه ودوافعه هو انتشار هذه الظاهرة على نطاق واسع غير معهود من قبل ، بحيث يصبح هذا العدد الهائل من البشر مطموس البصيرة بهذه الصورة غير العادية ، فيؤمن بالمحسوس وحده وينكر وجود الله .
(1) تنسب المزدكية إلى"مزدك"الذي عاش في فارس في القرن السادس الميلادي ونشر مذهبه الذي يدعو إلى الإباحية الكاملة .