فلما تخلت هذه الأمة عن رسالتها في القرون الأخيرة ، وأصابها الضعف والوهن تبعًا لذلك ، فقد تولت قيادة البشرية أمة جاهلية لا تؤمن بالله ورسله ، ولا تحكِّم شريعته في الحياة ، ومن ثم أتيحت الفرصة لشياطين الجن والإنس أن يعيثوا فسادًا في الأرض ، وينشروا الكفر بدلًا من الإيمان .
ولن تصلح الأرض مرة أخرى حتى يعود المسلمون عودة صادقة إلى دينهم الحق وعندئذ يتحقق وعد الله لهم بالاستخلاف والتمكين والتأمين كما تحقق مرة من قبل: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [ النور: 55 ] .
هذه اللمحة من تاريخ أوربا تعيننا على تفهم الجو الحالي السائد في الغرب والذي انتشر فيها الإلحاد والفساد الخلقي .
لقد نشأ من العوامل الثلاثة سالفة الذكر - وهي موقف الكنيسة ودور اليهود في الإفساد وتخلي المسلمين عن رسالتهم - وجود جو معاد للدين في أوربا ، صالح لكل جراثيم الفساد أن تنتشر فيه .
ولعل أخطر هذه الجراثيم جميعًا هو الإلحاد والفساد الخلقي ؛ لأن الإنسان إذا بعد عن الله ، وعن تطبيق منهج الله في الأرض ، فلا حدود للهاوية التي يمكن أن ينحدر إليها . والواقع الأوربي الحاضر خير برهان على هذه الحقيقة المؤلمة ، فإن الانفصال القائم بين الدين والعلم ، وبين الدين والحياة ، قد أدى إلى فساد الفطرة البشرية ذاتها ، فضلًا عما أصابها من أمراض القلق والجنون والانتحار والأمراض النفسية والعصبية وانتشار الجريمة والإدمان على الخمر والمخدرات حتى بين الشباب المراهقين .