وهذا القسم من الله العظيم الجليل جل شأنه له دلالته ، فإن الله العظيم لا يقسم إلا بشيء عظيم (1) . فإذا أقسم الله سبحانه وتعالى بالنفس اللوامة ، التي تلوم الإنسان على فعل الشر وتدفعه إلى عمل الخير ، فلا شك أن هذه النفس ذات وزن كبير في ميزان الله . وإنها لكذلك ، لأنها هي المحور الحقيقي لارتقاء الإنسان ومحافظته على قيمه العليا ، كما أنها المحور الحقيقي لاستقامة أمر البشرية في واقع حياتها .
فما الإنسان إذا فقد النفس اللوامة ؟ إن نفسه حينئذ هي النفس الأمارة .. أي الأمارة بالسوء .. منها ينبع السوء ، ومنها ينتشر الشر في أرجاء الأرض .
والنفس الأمارة بالسوء لا يهذبها ولا يرتقي بها ، ولا يرفعها إلى مرتبة النفس اللوامة إلا الإيمان بالله ، الذي يجعل الإنسان مستحقًا لرحمة الله المطهرة للنفس من دنسها: ( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ) [ يوسف: 53 ] .
أما الإلحاد والكفر فهو يذهب بالنفس اللوامة ولا يبقى إلا النفس الأمارة بالسوء .
ولقد يخيّل إلينا لأول وهلة أن أوربا الملحدة ذات ضمير . فالتاجر هناك لا يغش ولا يخدع . والعامل لا يكذب ولا يخلف مواعيده . وأمور التعامل الفردي تقوم على الصدق والأمانة .
وهذا صحيح في مظهره . ولكنها في الحقيقة ليست أخلاقًا بالمعنى الحقيقي للأخلاق . إنما هي أخلاق التاجر الذكي الذي يحرص على كسب ثقة الزبون إلى آخر المدى ، فيتودد إليه بخصال الصدق والأمانة والإتقان .
أما المحك الحقيقي للضمير فله مجال آخر .
(1) يأتي القسم في القرآن منفيًا أحيانًا ومثبتًا أحيانًا أخرى وكلاهما قسم . من أمثلة النفي: ( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ، ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) ومن أمثلة الإثبات: ( وَالضُّحَى ، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ) ، ( وَالْفَجْرِ ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) .