ومن هذه الصفات كلها التي اتصفوا بها عاثوا فسادًا في كتابهم المنزل عليهم فمحوا منه ما لم يوافق أهواءهم ، وأضافوا إليه أساطير ما أنزل الله بها من سلطان: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ(1) ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) [ البقرة: 79 ] .
وأما الإنجيل فإن أصحاب عيسى وحوارييه كانوا يعيشون في حالة اضطراب وتشتت بسبب الاضطهاد الواقع عليهم من الدولة الرومانية ، فلم يدوِّنوا الإنجيل كما سمعوه من عيسى عليه السلام ، إنما تناقلوا ما وعت ذاكرتهم منه سرّا وعلى خوف من عيون الدولة الرومانية . فلما بدئ بتدوينه بعد ثلاثين عامًا على الأقل من رفع عيسى عليه السلام (2) ، كان الأصل قد فُقد ، وكانت الإضافات الدخيلة هي التي يتناقلها النصارى . ثم إن الأناجيل الموجودة الآن ليست هي نص الكتاب المنزل باعتراف أصحابها . إنما هي ذكريات شخصية كتبها كل مؤلف منهم على حدة وضمنها بعض الأقوال المنسوبة إلى المسيح .
أما القرآن فقد هيأ الله له ظروفًا مختلفة تمامًا ، تمَّ بها الحفظ الذي قدره الله له منذ الأزل وهو في اللوح المحفوظ .
1-هيأ له أمة قوية الحافظة بصورة غير عادية . فقد كان العرب في الجاهلية يروون ألوفًا من أبيات الشعر بغير تدوين ، إنما يحفظونها في ذاكرتهم ويتداولون روايتها .
2-هيأ له سهولة في الحفظ: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) [ القمر: 17 ] .
(1) أي يختلقون كلامًا من عند أنفسهم .
(2) في رواية أنه بدئ بتدوينه بعد سبعين سنة .