تلك هي المهمة الكبرى للرسل جميعًا صلوات الله عليهم وسلامه: أن يهدوا البشرية لإلهها الواحد ، ويدلوهم على الطريقة الصحيحة لعبادته ، وبذلك تقوم حياتهم على قاعدتها الصحيحة: إفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية والربوبية ، وتوحيد العبادة له في الاعتقاد وشعائر التعبد واتباع ما أنزل الله من التشريع ، أي الحكم بما أنزل الله .
* وتبعًا لهذه المهمة تجيء المهمة الثانية وهي تعريف الناس بالمنهج الحق الذي تستقيم به حياتهم في الدنيا وينالون به رضوان الله في الآخرة . وذلك بتبليغ ما أوحى به الله إليهم ، وشرحه وبيانه ، وتعريف الناس بطريقة تطبيقه وتدريبهم على ذلك كما يفعل المعلم مع تلاميذه حتى يطمئنوا أن أتباعهم قد وعوا ما أنزل الله وعيًا صحيحًا وطبقوه التطبيق الصحيح .
وهذه المهمة تحتاج منهم إلى الصبر والمثابرة وسعة الصدر لأنها ليست مجرد إلقاء دروس عابرة ، ولا قراءة من كتاب . إنما هي مهمة التعليم ، بكل ما يشتمل عليه التعليم من مشقات .
* ولا تقتصر مهمة الرسل على التعريف والتعليم ، على ما لهذا الأمر من أهمية بالغة في حياة الناس ، إنما تمتد إلى التربية . فليس دين الله معلومات تلقى ثم تحفظ . إنما هو سلوك عملي بمقتضى التعليم الرباني . والسلوك العملي لا يكتسب فجأة ، ولا يكتسب بغير جهد يبذله المربِّي والمتلقي على حد سواء . المربِّي - وهو هنا الرسول - يبذل جهده في التوجيه والملاحظة والمتابعة والتذكير والصبر الطويل على انحرافات الناس حتى تستقيم ، وبذل النصح باللين والمودة حتى تتقبله النفوس وتعمل بمقتضاه . والمتلقي يبذل الجهد في ضبط أهوائه حتى تستقيم مع المنهج المنزل ، ومقاومة الشهوات التي تجنح به عن الطريق ، ودفع وساوس الشيطان التي تزين له المعصية والبعد عن طاعة الله .