إنه يجيء والملأ مستكبرون في الأرض بغير الحق ، يستعبدون الناس بغير سلطان شرعي ، لأنهم لا يحكمون بما أنزل الله ، فيعلن كلمته البسيطة التي تدوي في آذان الملأ كالصيحة المدوية: ( اعبُدوا الله ما لَكُم مِن إلهٍ غَيْرُهُ ) . ويدرك الملأ على الفور أن هذه الكلمة البسيطة ، المدوية في ذات الوقت ، معناها تنحيتهم عن سلطتهم الطاغية التي يستعبدون بها الناس ، ورد العبودية لله وحده ، يستوي في ذلك الملأ والمستضعفون على حد سواء !
ولا يسلّم الملأ ما في أيديهم من السلطة الغاشمة بسهولة ! بل يقومون يتحدّون الرسول ويناوئونه ويناصبونه العداء ، ويرى الناس الرسول المرسل إليهم يقف وحده إزاء السلطان الغاشم لا يستند إلى شيء من قوى الأرض ، بل يستند إلى الله تعالى ، إنه يحقق معنى الإيمان بالله في صورة ملموسة مشهودة ، لا في صورة كلمات تنطق بها الأفواه أو شعارات معلقة في الفضاء !
ويشتد الأذى بالرسول من اضطهاد الملأ الواقع عليه ، فلا يلجأ إلى مداهنة القوم ولا ملاينتهم على حساب دينه وعقيدته . ويرى الناس مرة أخرى صورة واقعية لعمق الإيمان بالله . إنه ليس إيمانًا سطحيًا يتحطم تحت الضغط مهما اشتد ، ولا إيمانًا وقتيًا يتبخر تحت وطأة الأحداث ! إنما هو الإيمان الراسخ الذي يزداد عمقًا مع اشتداد الأحداث !
ويتعرض الرسول في كثير من الأحيان إلى التهديد بالنفي أو السجن أو القتل فلا يتزحزح عن موقفه الصلب ، ولا تؤثر عليه كذلك المغريات التي يتعرض لها أحيانًا كوسيلة من وسائل الحرب ضد عقيدة التوحيد ودعاة التوحيد ! ويلجأ الرسول إلى الله وحده يدعوه أن ينقذه مما يلقاه من عنت الجاهلية وينجيه من مكرهم وكيدهم . ومرة أخرى يرى الناس الصورة الحية للإيمان العميق كيف تكيّف المشاعر وتوجه السلوك .