وقد كانوا جاءوا إلى مصر أيام يوسف عليه السلام ، ومكثوا فيها وتكاثروا ، فظلوا يعبدون الله ولا يعبدون الفرعون .. ومن هنا غضبه عليهم وطغيانه فيهم ..
ولقد كان يملك - لو صدقت حجته الظاهرية - أن يطردهم من مصر ويعيدهم إلى بلادهم التي جاءوا منها ، فيتخلص منهم دون أن يوقع الأذى بهم . ولكنها شهوة الطغيان والاستعباد التي كانت تحركه ضد بني إسرائيل .
في تلك الظروف العصيبة وُلِدَ موسى عليه السلام ، فخافت عليه أمه من عيون فرعون أن يكشفوا وجوده فيقتلوه . وهنا تبدأ نعم الله عليه ، إذ يوحي إلى أمه بالوسيلة التي تحفظه من القتل ، وإن كانت تبدو في عينها وسيلة عجيبة ، هي أعجب ما يخطر في البال على الإطلاق !
ولنرجع إلى سورة القصص نأخذ منها تفصيل قصة موسى:
( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) [ القصص: 7 ] .
يا لها من بشارة في أحرج اللحظات ، وإن كانت الوسيلة عجيبة لولا أنها من عند الله .
أرضعيه ولا تخافي ! وإذا خفت عليه من جنود فرعون فألقيه في اليم ! ولا تخافي ولا تحزني ! إنّا رادوه إليك .. وليس هذا فحسب . بل إنّا جاعلوه كذلك من المرسلين .
ولم يطمئن قلب أم موسى أن تبقيه في بيتها وترضعه ! وكأنها اطمأنت إلى الوسيلة الثانية أكثر ، فهو في اليم أبعد عن جنود فرعون ! ولكن قدر الله من وراء ذلك كان يرتب أمرًا ! ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ، وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) [ القصص: 8 ، 9 ] .