وإذا وجدنا مصلحًا اجتماعيًا وجد المظالم والانحرافات الاجتماعية متفشية في مجتمعه ، الأنانية هي رائد الأفراد ، والأثرة هي رائد الجماعات . القويّ يظلم الضعيف ، والغني يأكل الفقير ، والمجتمع أفراد وجماعات متفرقة ، تتناحر فيما بينها على السلطة أو المال أو الجاه ؛ نهازون للفرص كلهم ، لا يرعى أحدهم لأخيه حقًا ولا يرقب فيه إلاّ ولا ذمة .. فنذر نفسه لإقامة العدل الاجتماعي وإزالة الانحرافات من مجتمعه ، وأوجد التوازن المنشود بين الفرد والمجتمع ، وبين الحاكم والمحكوم ، وجعل أغنياء الأمة يتعاطفون مع فقرائها ويشركونهم في جانب من أموالهم ، فيعيش المجتمع كله كأنه أسرة واحدة كبيرة ، متكافلة متعاونة متحابة . فكيف نسمي ذلك المصلح في لغتنا ، وكيف نصفه ؟ ألا نقول: إنه رجل عظيم ؟!
فكيف إذا كان هذا جانبًا واحدًا من جوانب شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وحياته ، وكيف إذا كان في هذا الجانب قد بذّ المتخصصين ، الذين انقطعوا لهذا الجانب وحده وتخصصوا فيه ؟!
وإذا وجدنا مصلحًا أخلاقيًا ، رأى الفساد الخلقي منتشرًا في مجتمعه: الكذب والنفاق ، والغش والخيانة ، وأكل أموال الناس بالباطل ، والخمر ، والزنا ، والميسر ، والسلب ، والنهب ، والغصب .. لا يأمن أحدهم على نفسه حتى يكون سلاحه في يده ، ولا يأخذ حقه إلا بقوة عضلاته ، فإذا كان صاحب الحق ضعيفًا أُكل كما تأكل الذئاب الفريسة ، فإن كان يتيمًا أو امرأة فلا يتحرك لنجدته ضمير .. رأى ذلك فنذر نفسه لإصلاح الأخلاق في مجتمعه ، فاستطاع بصبره وجهاده أن يضع لأمته دستورًا أخلاقيًا تتعامل به فيما بينها ، يرعاه القويّ والضيف ، فقلّ الكذب أو انتهى ، وقضى على الخمر والزنا والميسر ، وصار صاحب الحق آمنًا على حقه ولو كان ضعيفًا أو يتيمًا أو امرأة ، وصار وازع الضمير هو الذي يحكم العلاقات بين الناس .. ألا نقول لمن توصَّل إلى ذلك: إنَّه رجل عظيم .. ؟