فالدعوة هنا - كما هو واضح - ليست للكفَّار ولكن للمؤمنين .. ودعوتهم إلى الإيمان - وهم مؤمنون بالفعل - معناها دعوتهم إلى الحرص على الإيمان وإلى مزيد من الإيمان !
نعم ، لقد جلّى القرآن قضية التوحيد وقضة الشرك بأجلى بيان .. وتتبعها في النفس البشرية بكل دروبها ومنحنياتها ، لكي لا يعشش الشرك في أي ناحية منها ولا يخالط أي عمل أو فكر أو شعور يصدر عن المؤمن أو يخطر في دخيلة نفسه .
لقد بين القرآن - بادئ ذي بدء - قضية على أقصى درجات الأهمية ، وهي أن الشرك ليس محصورًا في تقديم شعائر التعبد لغير الله ، ولكنه يشمل كذلك الحكم بغير ما أنزل الله:
( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ) [ الأعراف: 3 ]
( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) [ النحل: 35 ] .
فعدم اتباع ما أنزل الله - في آية"الأعراف"- صنو لاتباع الأولياء من دون الله ، أي أنه شرك . وآية"النحل"تفصل أعمال الشرك - على لسان المشركين - فإذا هي عبادة غير الله والتحريم ( والتحليل ) بغير إذن من الله ، أي عدم اتباع ما أنزل الله .
وجاء في [ النساء: 65 ] : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) .
وفي سورة المائدة يتكرر النص على هذه الصورة:
( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) [ المائدة: 44 ] .
( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [ آية: 45 ] .