1-للقرآن نظم متفرد ، فلا هو شعر ، ولا هو نثر كنثر البشر . ولكن فيه من حلاوة الجرس والتنغيم ما يفوق الشعر ، دون أن يتقيد بقيود الشعر الكثيرة التي تتحكم في المعنى في كثر من الأحيان ، وفيه ما يشبه القوافي ولكنها ليست رتيبة ولا محدودة كقوافي الشعر ولا قوافي السجع المألوف ، لذلك لا تمله الأذن ، بل يقبل الإنسان دائمًا على قراءة القرآن وسماعه بشغف متجدد .
وفضلًا عن ذلك فإنّ هذا التنغيم يتنوّع بتنوّع الموضوع المعروض والجو النفسي المصاحب له ، فيشتد مثلًا مع وجود الوعيد والعذاب ويلطف ويلين مع وجود الود والرحمة ، أو جو الدعاء والخشوع .
خذ مثلًا من جوّ الشدة والوعيد: ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ، إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ، فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ، وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ، لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ ) [ الحاقة: 30 - 37 ] .
ومثلًا من جوّ الدعاء: ( كهيعص ، ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ، إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا ، قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) [ مريم: 1 - 6 ] .
2-للقرآن خاصية إحياء المشهد المعروض حتى لكأن الإنسان يشاهده لأول مرة إن كان من مألوفات الحس . أو يراه مجسدًا إن كان من المشاهد المتخيلة .