فنحن نشاهد في حياتنا الدنيا ظالمين ظلوا ظالمين حتى لحظة الموت ، ومظلومين ظلوا مظلومين إلى آخر حياتهم . أفإن كانت الحياة الدنيا هي نهاية المطاف يكون هذا عدلًا وحكمة ؟ وأين هو العدل والظالم لم يُقتصَّ منه والمظلوم لم يقتص له ؟! وأين هي الحكمة في خلق حياة تجري أحداثها على غير مقتضى العدل ، ثم تنتهي على هذه الصورة ؟
ونشاهد في الأرض كفارًا ومؤمنين ، تختلف معتقداتهم وسلوكهم ويختلف موقفهم من الخالق سبحانه . فريق استكبر وأبى أن يعبد الخالق ويطيعه ، وفريق أسلم وجهه لله وهو محسن . وتسير الحياة بأحداثها ، حتى تنتهي بموت أولئك وهؤلاء فهل يستوي المحسن والمسيء ؟ فأما في الحياة الدنيا فقد نجد الكفار ممكَّنين في الأرض ، منتفشين بالباطل ، والمؤمنين مستضعفين مشردين مطاردين ، ولو لفترة من الوقت هي فترة الابتلاء التي قدرها الله لكل دعوة وجعلها من سننه في الأرض: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) [ العنكبوت: 2 ، 3 ] .
ويموت ناس وتنتهي حياتهم في فترة الابتلاء تلك ، والكفر مستعلٍ في الأرض والإيمان مغلوب على أمره لم يمكَّن بعد . فهل تستقيم الأمور على هذه الصورة مع الحق والعدل ؟
أيكون من الحق أن يكون أصحاب الحق مشردين في الأرض مستضعفين ، وأصحاب الباطل ممكَّنين منعّمين ؟
أيكون من الحق أن الذين أجابوا داعي الله فآمنوا به واستقاموا على طريقه ، يعيشون ويموتون في الهوان والذل كأنهم هم المغضوب عليهم ، وأن الذين لم يستجيبوا لله ولم يؤمنوا به يعيشون ويموتون هانئين منعّمين كأنهم هم الذين نالوا رضوان الله ؟!
إنه هكذا تكون الصورة لو انتهت الأمور بالحياة الدنيا ولم يكن هناك بعث ولا حساب في الآخرة ولا ثواب ولا عقاب .