لذلك يجيء هذا السؤال الإنكاري: ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ) ، ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) .
حاشا لله أن يكون ذلك !
إنما ذلك ظن الذين كفروا ! هم الذين يظنون أن الأمر سواء ، وأنه لا حساب ولا عقاب ! فكأنهم بذلك يقولون إن الله خلق السماوات والأرض باطلًا: ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ) [ صّ: 27 ، 28 ] .
ولقد نزلت هذه الآية في كفار قريش الذين كانوا ينكرون البعث . ولكن العجيب أن الجاهلية المعاصرة تنتج نماذج تنطبق عليها الآية كأنما هي مفصلة على قدّها تمامًا ! فهذا"سارتر"الكاتب الوجودي الملحد ، يقول إن الوجود كله عبث وكله باطل ! وإن حياة الإنسان لا معنى لها ولا حكمة فيها ! ( ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) .
إنه حين لا يؤمن الإنسان بالله واليوم الآخر فهكذا تصبح صورة الحياة في حسه ، وهكذا تصبح صورة الكون كلها: السماء والأرض وما بينهما ، بما فيها حياة الإنسان .
ولا تستقيم الصورة ولا يتبين الحق ، حتى توضع التكملة الطبيعية للحياة الدنيا ، وهي اليوم الآخر الذي يحاسب الناس فيه فيكرمون أو يهانون . عندئذ يتضح الحق في خلق السماوات والأرض ، والحق في خلق الإنسان وحياته على الأرض . وتتبين الحكمة في خلق الحياة والموت ، والحكمة في جعل ما على الأرض زينة لها .