4-تحدثنا في باب الإيمان بالقدر عن التوازن في حس المسلم بين الإيمان بالقدر وبين الأخذ بالأسباب . وهو من أجمل خصائص العقيدة الإسلامية . إن المتواكلين يزعمون أنهم يتوكلون على الله ثم يهملون الأخذ بالأسباب جملة فيصيبهم ما يصيبهم من فقر ومرض وجهل وعجز وهوان في الأرض . وإن الجاهلية الأوربية من جانب آخر تأخذ بالأسباب منقطعة عن الله وقدره ، فتنتج إنتاجًا ماديًا ضخمًا وتكفر في ذات الوقت وتنحط أخلاقها وتهبط إنسانيتها إلى الحضيض ، ثم يصيبها ما يصيبها من قلق واضطراب وأمراض عصبية ونفسية وجنون وانتحار وضياع لأنها تفقد الطمأنينة التي يجدها المؤمن لذكر الله ولقدر الله .
والإسلام يوازن موازنة جميلة بين هذين الحدين المتطرفين ، فهو يعلم الناس أن هناك سننا ربانية يدير الله بها الكون المادي والحياة البشرية . وأنه لا بد من اتباع هذه السنن ومجاراتها إذا رغبنا في الوصول إلى نتائج معينة ، ومقتضى ذلك هو الأخذ بالأسباب . ولكنه في الوقت ذاته يربي المؤمن على ألا يتكل على الأسباب الظاهرة فيحبط عمله ، إنما يظل قلبه موصولا بالله ، متطلعا إليه أن ينجح مسعاه ويوصله إلى النتائج المرغوبة . وبذلك يتوازن الإنسان في سعيه في الأرض لا يهمل الأسباب ويتواكل ، ولا يكف عن التطلع إلى قدر الله .
5-أخيرًا نقول: إن هذه العقيدة توازن بين جوانب الحياة الإنسانية المختلفة فلا يطغى منها جانب على جانب . فكما أن الجانب الروحي لا يطغى على الجانب المادي ، فكذلك لا يطغى الجانب السياسي على الاقتصادي ، ولا الاقتصادي على الخلقي وهكذا . بل تتوازن جوانب الحياة كلها على محور العقيدة الرئيس الذي مقتضاه الإيمان بالله والالتزام بما أنزل الله ، فتسير كلها متوازية متوازنة في آنٍ واحد .