هنا في الحقيقة خطاب للوجدان والعقل في آن واحد . وقد أسلفنا القول إن القرآن كثيرًا ما يقرن خطاب الوجدان مع خطاب العقل في سياق واحد . ولكنا هنا سنركز تركيزًا أكبر على أدلة العقل وبراهينه ، وفيما مضى من الحديث عن الوجدان في الفصل السابق ما فيه الكفاية .
يبدأ السياق بسؤال في الآية الأولى بعد حمد الله والسلام على عباده الذين اصطفاهم بالنبوة والرسالة ، وهذا السؤال يواجه الإنسان كله ، وعقله بصفة خاصة: ( آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ) .
والإجابة عن السؤال تقتضي الموازنة - إن كان هناك مجال للموازنة - بين الله سبحانه وتعالى وبين الآلهة المزعومة التي يعبدها بعض الناس مع الله أو من دون الله ، ليتبين أيهما خير: آلله أم تلك الآلهة المدعاة ؟
والسياق القرآني يبادر العقل بما يعينه على معرفة الإجابة الصحيحة ، إن كان - لسبب من الأسباب - يجهلها ! فيقدم له أول المُعِينات في صورة سؤال آخر لو اهتدى لإجابته - وهي بدهية في الحقيقة - لاهتدى في ذات الوقت لإجابة السؤال الأول الذي تصدَّر السياق ، وهو قوله تعالى: ( آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ) ؟
تسأل الآية الثانية في السياق: من الذي خلق السماوات والأرض ؟ ومن الذي أنزل عليكم من السماء ماء فأنبت به حدائق بهيجة المنظر ما كان لكم أن تنبتوا شجرها لولا ما أنزل الله لكم من السماء من ماء ، ولولا ما أودع فيها هي ذاتها من خاصية النمو حين ينزل عليها الماء ؟
وقبل أن يجيب الإنسان الذي يُوجَّه له ذلك السؤال ، يبادره السياق بسؤال ثالث يحمل في طياته في الحقيقة إجابة السؤال السابق: يقول: ( أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ ) ؟!
وهكذا يحاصر السياق حصارًا كاملًا بحيث لا يجد مفرًا من الإجابة الوحيدة التي يستقيم بها الأمر كله !
( أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ ) ؟ كلا !