فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 531

فهنا عرض مستفيض لآيات من آيات الله في الخلق وفي الرزق معًا في سياق واحد . فآية في الماء النازل من السماء بقدرة الله يحيي الأرض بعد موتها وينبت فيها الزرع . وآية في الأنعام يخرج الله من بطونها لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين . ومن أين يخرج هذا اللبن ؟ من بين فرث ودم . والفرث هو بقايا الغذاء المهضوم في الأمعاء . وتحول العصارات الهضمية إلى دم ، ومرور هذا الدم على أعضاء الجسم المختلفة يعطي كل واحد منها غذاءه ، ثم قيام كل عضو بوظيفته بعد أن يتلقى غذاءه من الدم ، وقيام الغدد اللبنية في الضرع بإفراز اللبن ، أو بعبارة أخرى تحول الفرث إلى دم ثم تحوله إلى لبن: كل ذلك من آيات الله المعجزة في الخلق (1) ، وهو كذلك من آيات الله في الرزق الذي منَّ به على الإنسان .

وآية في النحل التي تأكل من رحيق الزهور وتخرج منه هذا الغذاء العجيب الذي لا تنحصر في فائدته في خواصه الغذائية فحسب ، بل هو شفاء لكثير من الأمراض . وهي كذلك آية في الخلق والرزق في ذات الوقت . وآية في خلق البشر واختلاف أعمارهم . ثم إشارة إلى وضع كان قائمًا يومئذ عند العرب وهو وجود أرقَّاء بين أيديهم ، يستخدمه القرآن لتقريب القضية إلى أذهان المخاطبين به يومئذ ، فيقول إن الله فضَّل بعضهم على بعض في الرزق فجعل بعضهم سادة وبعضهم عبيدًا ، فهل يقبل السادة المفضلون أن يشركوا معهم عبيدهم في السيادة والسلطة فيصبحوا سواء هم وعبيدهم ؟ فإذا كانوا لا يقبلون ذلك لأنفسهم فلماذا يقبلونه بالقياس إلى الله سبحانه وتعالى فيشركون معه عبادًا من عباده فيجعلونهم آلهة مع الله ؟

(1) لم تكن الأسرار العلمية الخاصة بتحول الفرث إلى دم ثم تحوله في الضرع إلى لبن معلومة للبشرية كلها وقت نزول القرآن ، وإنما اكتشف ذلك كله من عهد قريب . وفي ذلك دليل لمن أراد الدليل على أن هذا القرآن من وحي الله ، فما كان لبشر من علم يومئذ بهذه الأشياء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت