فهرس الكتاب
ومثل ذلك قول البخاري (ت 256 هـ) في إبراهيم بن اسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي المدني (83 - 165 هـ) : منكر الحديث، وقول أبي حاتم الرازي (ت 277 هـ) فيه: شيخٌ ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، منكر الحديث، وقول النسائي (ت 303 هـ) فيه: ضعيف) [1] .
فهؤلاء العلماء الثلاثة لم يدركوه ولا عرفوه عن قرب ولا نقلوا عن شيوخهم أو: آخرين ما يفيد ذلك، فكيف تم لهم الحصولُ على هذه النتائج والأقوال؟ واضح أنهم جمعوا حديثه ودرسوه، وأصدروا أحكامهم اعتمادًا على هذه الدراسة.
حينما يذكر المتقدمون أن النقد إنما يقوم على العلماء الجهابذة، فليس معنى ذلك أنه يقوم على دراسة الإسناد، يقول ابن أبي حاتم: (فإن قيل: فبماذا تُعْرَفُ الآثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله عز وجل بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة في كل دهرٍ وزمان) [2] ، ثم قال: (قيل لابن مبارك: وهذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة) [3] .
ولعل الرواية الآتية أبين دليل على أن العلماء الذين تمرسوا بهذا العلم في هذه المرحلة إنما كانوا يَنْقُدُون المتون أكثر من نقدهم الأسانيد، قال أبو حاتم الرازي: (جاءني رجل من جِلة أصحاب الرأي، من أهل الفهم منهم، ومعه دفترٌ فعرضه عليَّ، فقلت في بعضه: هذا حديث خطأ قد دخل لصاحبه حديث في حديث، قلت في بعضه: هذا حديث باطل، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذبٌ، وسائر ذلك أحاديث صحاح. فقال لي: من أين علمت أن هذا خطأ، وأن هذا باطل، وأن هذا كذب؟ أأخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت وأني كذبت في حديث كذا؟ فقلت: لا ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا
(1) -انظري: (تهذيب الكمال) (2/ 43) .
(2) -انظري: (تقدمة الجرح التعديل:2) .
(3) -انظري: (تقدمة الجرح والتعديل:3) .