أتذكر أنني قلت في كتابي: (القاعدة الجليلة في معرفة علم الرجال) (ص:69 - وما بعدها) ما نصه: مما ينبغي أن نعلمه في هذا السفر الخفيف، والجزء اللطيف: أننا لا نزعم ولا نحكم بالعصمة لأحد من الناس-مهما بلغ وعلا كعبه في العلم، فالثقة لا يعصم من الخطأ أبدًا، لأن العصمة للرسل والأنبياء-عليهم الصلاة والسلام-ولا يجْرح به إلا إذا كثر وفحش خطؤه.
لأن العدل قد يحدث بأحاديث عن الضعفاء والمجهولين كما فعل ابن مهدي-رحمه الله تعالى-في روايته عن الجعفي، وكذا شعبة-رحمه الله تعالى-حتى قيل له: (مَا لك تحدث عن هؤلاء الضعفاء وأنت لا تحدث ولا تروي إلا عن ثقة، فتحدث عن جابر الجعفي-وهو كذاب-؟ فقال:(روى أشياء لا نقدر عليها، أو: لا نصبر عليها) .
وجابر الجعفي هذا قال عنه أبو حنيفة-رحمه الله تعالى- [1] : (ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، وما أتيته بشيء قط من رأي إلا جاءني فيه بحديث، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لم ينطق بها) .
ثم هو-أي: جابر الجعفي-يؤمن بالرَّجْعَة، ومعروف بتدليس الأباطيل-كما قال نقل العلامة المحقق ابن قيم زمانه المعلمي عن أئمة الجرح والتعديل [2] .
ومالك-رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه-حدث عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري وهو ضعيف جدًا.
مما جعل الجَوْزجاني أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب يقول عنه [3] : (فرحم الله مالكًا غاص هناك في المثل فوقع على خزفة منكسرة، أظنه اغتر بكسائه) .
وهذا مثل يُضرب لمن يغتر بشيء ما فيظنه: (حسن) وبعد حين يتبين له عكس ذلك.
(1) -انظر: (الجامع لأحكام القرآن) (3/ 220) لأبي عبد الله القرطبي، و (الإعلان بالتوبيخ) (ص:199) ، و (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل) (ص:132) للإمام اللكنوي.
(2) -انظر: (التنكيل) (2/ 934/ 935) .
(3) -كما في كتابه القيم: (أحوال الرجال) (ص:97/رقم:144) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 56) .