وذكر حديث العرنيين، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ [1] -أَوْ عُرَيْنَةَ [2] -، فَاجْتَوَوْا [3] المَدِينَةَ،"فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقَاحٍ [4] ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا" [5] .
ثم أجاب على دعوى البعض بأنَّ إباحة الشُّرب من أبوالها كان للتداوي، وأنَّها غير طاهرةٍ، فقال:"ذِكْرُ الْخَبَرِ الْمُدْحِضِ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعُرَنِيِّينَ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُمْ فِي شُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ لِلتَّدَاوِي لَا أَنَّهَا طَاهِرَةٌ" [6] .
وذكر حديث وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ [7] رضي الله عنه، أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ [8] رضي الله عنه، سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَمْرِ، فَنَهَاهُ -أَوْ كَرِهَ-أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ:"إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ" [9] .
فاستدلَّ بهذا الحديث على أنَّ الحرام لا يكون دواءً حتَّى وإن كانت هناك ضرورة؛ لنهي النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن استعمال الخمر في التَّداوي،
(1) قال ابن حجر: هي قبيلة من تَيْمِ الرَّبَابِ. فتح الباري: (1/ 574) .
(2) قال ابن حجر: حَيٌّ مِنْ قُضَاعَةَ وَحَيٌّ مِنْ بَجِيلَةَ وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّاني. فتح الباري: (1/ 574) .
(3) اجتووا المدينة: استوخموها، أي لم توافقهم وكرهوها لضرر أصابهم. وهو مشتق من الجوى، وهو داء يصيب الجوف. ينظر: النهاية: (1/ 318) ، ولسان العرب: (15/ 158) .
(4) لِقاح: جمع لِقحة، بكسر اللام وفتحها. وهي النوق ذوات اللبن. ينظر: لسان العرب: (2/ 579) .
(5) أخرجه البخاري في صحيحه-واللفظ له-، كتاب الوضوء، باب: أبواب الإبل والدواب والغنم ومرابضها، حديث رقم: (233) ، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين، حديث رقم: (1671) .
(6) صحيح ابن حبَّان: (4/ 231) .
(7) صحابي، وفد على النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم، واستقطعه أرضا فأقطعه إياها، ثم نزل الكوفة، وعقبه بها. ينظر: الإصابة: (11/ 312) .
(8) ويقال سويد بن طارق، وهو وهم. له صحبة. ينظر: الإصابة: (5/ 381) .
(9) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب: تحريم التداوي بالخمر، حديث رقم: (1984) .