ومع أنَّه صحَّح حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ [1] قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ" [2] .
(1) قال البخاري: أدرك زمان النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم، ولا يعرف له سماع صحيح. التاريخ الكبير: (5/ 39) . وكذلك قال ابن حبَّان: الثقات: (3/ 247) .
(2) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب: من روى ألا ينتفع بإهاب الميتة، حديث رقم: (4127) ، والترمذي في سننه، أبواب اللباس، باب: ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، حديث رقم: (1826) ، والنسائي في الصغرى، كتاب الفرع والعتيرة، باب: ما يدبغ به جلود الميتة، حديث رقم: (4249) ، وابن ماجة في السنن، كتاب اللباس، باب: من قال لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، حديث رقم: (3613) ، وأحمد في مسنده، مسند عبد الله بن عكيم، حديث رقم: (18780) ، وابن حبَّان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب: جلود الميتة، حديث رقم: (1277) .
قال الترمذي:"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ... وَلَيْسَ العَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ".
وقال النسائي:"أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ، إِذَا دُبِغَتْ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ".
وقد أعل هذا الحديث بأمور:
1 -الانقطاع في الاسناد: فقد جاء في رواية ابن حبَّان وغيره: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَشْيَخَةٌ لَنَا مِنْ جُهَيْنَةَ؛ فالحديث منقطع؛ لجهالة المشيخة.
وأجاب ابن حبَّان، فقال:"هَذِهِ اللَّفْظَةُ حَدَّثَنَا مَشْيَخَةٌ لَنَا مِنْ جُهَيْنَةَ، أَوْهَمَتْ عَالَمًا مِنَ النَّاسِ أَنَّ الْخَبَرَ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ .... فَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ شَهِدَ كِتَابَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قُرِئَ عَلَيْهِمْ فِي جُهَيْنَةَ، وَسَمِعَ مَشَايِخَ جُهَيْنَةَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَأَدَّى مَرَّةً مَا شَهِدَ، وَأُخْرَى مَا سَمِعَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَبَرِ انْقِطَاعٌ". صحيح ابن حبَّان: (4/ 96) .
2 -كما أعل بالاضطراب في الإسناد والمتن، فمرة يروى عن ابن عكيم أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرة يروى عن ابن عكيم عن أشياخ من جهينة.
وفي رواية: قبل موته بشهر، أخرجها أبو داود: (4128) ، وابن حبَّان: (1277) ، وأحمد: (18782) ، وفي رواية: قبل وفاته بشهر أو شهرين، في مسند أحمد: (18783) .
قال الترمذي:"وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الحَسَنِ يَقُولُ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ لِمَا ذُكِرَ فِيهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَيْنِ، وَكَانَ يَقُولُ:"كَانَ هَذَا آخِرَ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، ثُمَّ تَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هَذَا الحَدِيثَ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ، حَيْثُ رَوَى بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ جُهَيْنَةَ".
قال الحازمي:"وَلَوْلَا هَذِهِ الْعِلَلُ لَكَانَ أَوْلَى الْحَدِيثَيْنِ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ حَدِيثُ ابْنِ عُكَيْمٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ، وَالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ ... وَطَرِيقُ الْإِنْصَافِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُكُيْمٍ ظَاهِرُ الدِّلَالَةِ فِي النَّسْخِ-لَوْ صَحَّ-وَلَكِنَّهُ كَثِيرُ الِاضْطِرَابِ، ثُمَّ لَا يُقَاوِمُ حَدِيثَ مَيْمُونَةَ فِي الصِّحَّةِ". الاعتبار: (57) .