وقال أيضًا: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ} فهؤلاء المؤمنون والمؤمنات هم الذين سيرحمهم الله، وبماذا ستكون هذه الرحمة -أيها الأحبة-؟ تكون بموالاة بعضهم البعض وهذه الموالات تقتضي تعاونهم على البر والتقوى، تقتضي تعاونهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي من أعلى درجاته الجهاد باليد، فموالاة المؤمنين لبعضهم البعض وجهادهم في الله أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، أي منكر! من أسباب نيل رحمة الله الخاصة بعباده المؤمنين المستمسكين بحبله المستجيبين لوحيه.
ومما يضعف هذه الموالات ويقدح في صحتها بقاء هؤلاء المؤمنين في شتات وتفرق فضلًا عن دخولهم في التنازع والتحزب، ومن ثم كان من أصول الإسلام العظيمة ومن واجباته الجليلة جمع كلمة المسلمين وتجنيبهم كل ما يفرق صفهم وهذا ما أحبه الله لعباده وأحبهم لأجله كما في قوله -جل شأنه-: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} فإن تشبيه المقاتلين بهذا البناء إنما هو لأجل ما في هذا التشبيه من وجه الشبه، فهو المراد والذي هو عموم القوة والوحدة، كما نبَّه على هذا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- في [أضواء البيان] .
إذن فالله يكره لنا التنازع والتفرق ويحب لنا رص الصفوف بالاجتماع والتوحد المثمران للقوة والنصر، ولقد مضت سنة الله -تعالى- في الأمم أن الاختلاف من أسباب هلاكها كما أخبر بذلك رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - في حديث أخرجه البخاري -رحمه الله- وفيه (لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) وفي رواية (فأُهلكوا) فبهذا الأصل العظيم الذي هو جمع كلمة المسلمين عمومًا والمجاهدين بوجه أخص تواترت نصوص الوحيين الشريفين تواترًا معنويًا لا يخفى على من شذى طرفًا من العلم؛ ولذلك انعقد إجماعُ أهل العلم عن بكرة أبيهم على وجوب هذا الحكم الشرعي القطعي -أعني به وجوب جمع كلمة المسلمين-، فجمْع كلمة المجاهدين إذن وتوحيد صفهم ونبذ ما يفرقهم ويشق عصاهم من أوجب الواجبات التي تنوعت أساليب القرآن والسنة في تقريرها، وزاد هذا الأمر الجليل وضوحًا وظهارةً كالشمس في كبد السماء ليس دونها سحاب ما اقتضته الضرورة الملحة في واقعنا المعيش الذي تكالب فيه أعداء الإسلام على هذا الدين الخاتم، وهلم سحبًا سحبًا لآيات الذكر الحكيم المقررة لهذا الأصل العظيم المشتمل على الأمر بالوحدة والاجتماع، وعلى النهي عن التفرق والاختلاف، فهي نصوص مفيدة لوجوب توحد المسلمين جميعًا وهي في حق المجاهدين الذين يحملون السلاح أوجب، ومفيدة لتحريم التفرق والتنازع بين المسلمين عمومًا وهي في حق المجاهدين القاصدين إظهار الدين هي في حقهم أشد تحريمًا؛ ولذلك كان من إجماعات أهل العلم المعلومة ألا يحكم