فهرس الكتاب
-ولا تَعْجَلَنَّ إلى تصديقِ ساعٍ يريد الإفساد، فإنَّ مِثْلَه غاشٌّ وإن تَشَبَّه بالناصحين، ولا تُهْمِلْ قولَه؛ فقد يكون صادقاً، وأحسن الظن بإخوانك؛ فإن إحسانَ الظن يَقْطَعُ عنك نَصَباً طويلاً.
6)ينبغي للأمير أن يأخذ نفسه وجنَده بما أوجبه اللهُ تعالى من حقوقٍ، وأمرَ به من حدود؛ [فإنَّ من جاهد عن الدين كان أحقَّ الناس بالتزام أحكامِه] ، ولكنك لن تُصْلِحَ وأنت فاسد، ولن تُرشِد وأنت غاوٍ، ولن تهديَ وأنت ضال، فكيف يَقْدِرُ الأعمى على الهدى والذليلُ على العِزِّ؟ ولا أَذَلَّ مِنْ ذُلِّ المعصيةِ، ولا أَعَزّ مِن عِزِّ الطاعةِ، فتَرَفَّعْ عن سَفاسِفِ الأخلاقِ وصحبةِ الفساق.
7)إياكَ وأن يَدْعُوَكَ ضيقُ أمركَ في شيء إلى طلبه بغير الحق؛ فإنّ صبرَك على ضيقٍ ترجو انفراجَه وفضلَ عاقبتِه خيرٌ من معصية تخاف تَبِعَتَها؛ ومدار الدين على الصبر.
8)إياك وأن تُمَيِّزَ نفسَكَ بمركَب أو مَلْبَس؛ فقد كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: [ ... وقد بَلَغَنِي أنه فَشَا لك ولأهلِ بيتِك هيئةٌ في لباسك ومطعمك ومركَبك، ليس للمسلمين مثلُها، فإياك يا عبد الله أن تكونَ بمنزلة البهيمة مَرَّتْ بوادٍ خِصْب، فلم يكن لها هَمٌّ إلا التسمُّن، وإنما حَتْفُها في السِّمَن، واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيتُه، وأشقى الناس من شَقِيَتْ به رعيتُه] .
9)اعلموا أن الحرب كما قالوا: ثِقالُها الصبر، وقُطْبُها المكر، ومدارها الاجتهاد، وثِقافُها الأَناة، وزِمامُها الحذر، ولكل شيء من هذه ثمرة: فثمرة الصبر التأييد، وثمرة المكر الظَّفَر، وثمرة الاجتهاد التوفيق، وثمرة الأناة اليُمْن، وثمرةُ الحذر السلامة، وقد سئل عمرو بن مَعْدِيْكَرِبَ عن الحرب فقال: [من صبر فيها عرف، ومن نَكَلَ عنها تَلِفَ] ؛ فإياكم والعجلةَ فَرُبَّ عَجَلةٍ تُعْقِبُ نَدَماً.