فهرس الكتاب
قال ابن كثير رحمه اللّه: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامّة أنّه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى وقد انكشف عنه جيشه وهو مع ذلك على بغلة ليست سريعة الجري ولا تصلح لكرٍّ ولا لفرٍّ ولا لهربٍ وهو مع هذا أيضا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرف صلوات اللّه وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدّين.
وذكر ابن بطالٍ عن المهلّب قائلا: وفيه ركوب البغال في الحرب للإمام ليكون أثبت له ولئلا يظنّ به الاستعداد للفرار والتولية ومن باب السياسة لنفوس الأتباع لأنه إذا ثبت, ثبت أتباعه وإذا رأي منه العزم على الثبات عُزم معه عليه. إنتهى.
وفي هذا الكلام فائدة:
أنه ينبغي على الأمير ألاّ يركب مركبةً هي أسرع وأقوى من جنوده أي مما يركب جنوده بل يكون في ركوبه كأوسطهم إن لم يكن أقلهم دابة تثبيتاً لقلوب جنوده وبعدا عن الشبهات وخاصّةً إذا كانت الدّابة من أموال الجهاد.
الوقفةالثالثة:
تعريفه صلّـے اللّه عليه وسلّم بنفسه بقوله: (( أنا النّبيُّ لا كذب .. أنا ابن عبد المطّلب ) ). فلما جدّ الجدُّ وأذهلتِ الحرب النفوس حتى أنّ المرءَ ليمرُّ بأخيه فلا يعرفه، من شدّة الحال أو سرعة الهزيمة، كان لابدّ له صلّـے اللّه عليه وسلّم أن يُعلم جنده ومن له في نفوسهم المحبّة أنّه موجودٌ ولم يفر، ويعلن ذلك على الملأ ضارباً عرض الحائط بكل المحاذير الأمنية و الاحتياطات العسكرية فليس هذا موضعها ولا وقتها والموقف يُملي التضحية بالنفس والثّبات في الكَرب.
وأعجبُ العَجَبِ أنّ بعض أمراء الجهاد إذا جدّ الجدُّ ودَهم العدو منطِقته وبدأ القتل يستعر في جنوده ذهب فاختبأ، ولم يتصل بأحد من جنوده وغير اسمه وربما رسمه بحجة الحفاظ على القيادة الراشدة، وهو مع ذلك قد ضيّع نفسَه وإخوانه.
فلو ثبت فيهم وجمع جنده وناجز عدوّه وأظهر جلَداً وثباتاً، لكان فيه النجاة لنفسه وإخوانه بدلاً أن يضيع نفسه ومن أُمِّر عليهم.
الوقفةالرابعة: