فهرس الكتاب
هل كانت تعاني هذه الشدة نفسها أم كان للمجهود العسكري فضل على باقي الحياة المدنية؟ ففي الصحيحين عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه قال:"بَعَثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً قِبَلَ الساحل وأمّر عليهم أبا عبيدة ابن الجراح وهم ثلاثمئة وأنا فيهم, فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد, فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجُمع ذلك كله فكان مُزودي تمر فكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة, فقلت: و ما تغني تمرة؟ فقال لقد وجدنا فقدها حين فنيت", وفي رواية:"خرجنا ونحن ثلاثمئة نحمل زادنا على رقابنا وعند مسلم و زَوَّدَنا جراباً من تمرٍ لم يجد لنا غيره, فكان أبو عبيدة يعطينا تمرةً تمرة قال فقلت كيف كنت تصنعون بها؟ قال نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل , وكنا نضرب بعصينا الخَبَط ثم نبله بالماء فنأكله , وعند البخاري فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط, فسمي ذلك الجيش جيش الخبط", وللحديث فوائد كثيرة, لكن الذي يتحمله المقام ثلاث وقفات:
الأولى: هي قوله رضي الله عنه"زودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره"وقوله"نحمل زادنا على رقابنا ففني زادنا". فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم الخلق بالخلق وأحرصهم على ما ينفعهم ويدفع عنهم الأذى وأعلم الناس بالقتال يرسلُ جيشاً في حر الصحراء وقسوتها يحملون أزوادهم على رقابهم ليس معهم من الطعام ما يبلغهم هدفهم, يقاتلون عدواً متحفزاً, ولاشك أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم مُدة الغزوة و وعورة الطريق وما يحتاجه الجندي من الزاد وكم يكفيه من ذلك وما حدُّ الكفاية منه سواء بعلمه صلى الله عليه وسلم أو بسؤال أهل الخبرة من أصحابه وخاصة أمير الغزوة, وعلمنا ذلك من قوله رضي الله عنه"وزودنا جراباً لم يجد لنا غيره".