كأنه يقول أن محمد عليه الصلاة و السلام جاء يفسد بيننا، هذه مفاسد .. يعني يقتل بعضنا ويفرق شملنا بأسلوبهم، فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: لقد سفهت أحلامنا, وسببت آلهتنا, وما تنتظر إلا أن يميل بعضنا على بعض فنضرب أعناقنا بالسيوف؛ ماذا تريد منا يا محمد؟ إن كنت تريد المال أعطيناك, وإن كانت بك الباءة زوجناك أجمل نساءنا، وإن كنت تريد الملك ملَّكناك فلا نقطع أمراً دونك .. يعني النبي عليه الصلاة والسلام -بعبارة العصر- بجرة قلم فقط يكتب القرار سياسياً (لا نقطع أمراً دونك) .. فقال عليه الصلاة والسلام وهو ينظر إلى بعيد: (أفرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم، فقال: (اسمع مني) : فتلى سورة فصلت -كما تعلمون- حتى وصل إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصِّلت:13] حينئذ قام أبو الوليد فوضع كلتا يديه على فم النبي عليه الصلاة والسلام، وقال:"أنشدك الله والرحم إلا صمت".
سمع كلاماً ليس بالهين، كلاماً توجل منه القلوب؛ ليس كما ذكركفار قريش سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وفرق شملنا، ليس الأمر كذلك، ولكن انظروا إلى ثبات النبي عليه الصلاة والسلام أمام المغريات، ثبت وما غير وما بدل، وبثباته ثبتت الأمة، وبُلِّغت دعوته عليه الصلاة والسلام.