وحاجة العباد إلى الله تبارك وتعالى في عبادتهم إياه كحاجتهم؛ بل أعظم من حاجتهم إلى كل شيء, ولهذا كان الله جل وعلا لا يغفر أن يُشرك به, ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. قال أهل التفسير في هذه الآية:"إن الله تبارك وتعالى, خصّ ثم علّق؛ خص بهذه الآية المغفرة لما دون الشرك, وعلّق ذلك بالمشيئة فقال: لمن يشاء؛ فمن كان من أهل العصاة من دون الشرك فهو تحت مشيئة الله تبارك وتعالى, إن شاء عذبه, وإن شاء غفر له".
ولهذا كانت كلمة لا إله إلا الله, أحسن الحسنات, وكان التوحيد لا يتم إلا بقول لا إله إلا الله؛ فإذًا كلمة التوحيد التي هي لا إله إلا الله هي رأس الأمر, نعم هي رأس الأمر؛ ولذلك نحن نعني بكلمة التوحيد هنا هو توحيد الإلهية؛ أما توحيد الربوبية الذي أقرّ به جميع الخلق وقرّره أهلُ الكلام فهذا لا يكفي وحده؛ بل هو من الحجة على من اكتفى به؛ ولهذا يُروى في بعض الآثار ما يدل على هذا المعنى أن الله قال:"يا ابن آدم خلقت كل شيء لك, وخلقتك لي فبحقي عليك ألا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له".
ولنعلم جميعًا أيها المسلمون أن هذا -أعني التوحيد- هو حق الله تبارك وتعالى على عبيده.
ففي الصحيحين من حديث معاذٍ رضي الله عنه أنه قال: كنت رديف النبي -صلى الله عليه وسلم- على حمار يقال له عفير؛ فقال لي يا معاذ:"أتدري ما حق الله على العباد؟", قال: قلت الله ورسوله أعلم, قال:"حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا, يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟"قال: قلت الله ورسوله أعلم, قال:"حقهم ألا يعذبهم".
ولاحظوا هذا القيد في هذه الرواية, قال: ما حق الله على العباد إذا فعلوا ذلك؟ , قال: قلت الله ورسوله أعلم, إذا فعلوا ذلك, فقال: حقهم ألا يعذبهم.
والله جل وعلا يحب منا هذا التوحيد ويرضاه لنا, ويرضى عن أهله, ويفرح بتوبة عباده حينما يعودون إليه.