هذه الآية الثانية تقرر عندنا أنه من تمام توحيد الله جل وعلا أن نؤمن بمثل ما آمن أولئك القوم, وكذلك من تمام التوحيد ومن تحقيق توحيد الله جل وعلا أن نتقي الله في عباداتنا وفي شرائعنا كما آمن أولئك القوم لأنهم كانوا هم أحق بذلك, لأنهم كانوا أحق بهذه الكلمة, لأنهم كانوا أحق وأولى وأحرى بتلك الكلمة, والله عز وجل لم يكن ليختار لنبيه عليه الصلاة والسلام أصحابًا إلا وهم أفضل الناس وأتقى الناس ممن سيجيء بعدهم, وهكذا كلما ابتعد الزمان والعهد عن عهد النبوة كثرت المعاصي وكثرت البدع وكثرت الشركيات, فمن تمام تحقيق توحيد الله جل وعلا أن ينقي الإنسان دينه من شوائب الشرك وشوائب البدع وشوائب المعاصي أعني بذلك الكبائر, أما الصغار اللمم فهذه لا حيلة فيها, ولكن قد تكفل الله عز وجل لمن اجتنب الكبائر أن يكفر عنه هذه الصغائر, {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً} .
وتأملوا يا رعاكم الله الآية الثالثة في قوله جل وعلا: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .
أولئك السابقون الأولون الذين زكاهم الله عز وجل فإذا زكى الله عز وجل هذا المنهج القويم فليس لأحد أن ينتقد بعده, فمن انتقد من قريب أو بعيد فليعلم أنه يتقدم بين يدي الله جل وعلا؛ والله جل وعلا يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .