وفي الأثر -وإن كان في إسناده بعض الكلام-, لما جاء عمران إلى النبي عليه السلام قبل إسلامه فقال: كم تعبد؟ قال: سبعةً؛ قال: أعبد سبعة آلهة, ستة في الأرض وواحدًا في السماء, فقال عليه الصلاة والسلام:"من لرغبتك ورهبتك وحاجتك؟", قال: الذي في السماء, قال:"فإذًا"! يعني وَحّد الله جل وعلا إذا كان في وقت الحاجات تعود إلى الذي في السماء {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} فلماذا في حال السراء يًعبد الله خلقٌ من دون الله جل وعلا؟
ولذلك فإن الدعوة إلى توحيد الله جل وعلا كما قررنا هي دعوةٌ في أفعال العباد إلى أن يوحدوها لله تبارك وتعالى, وهذا هو الذي وقع فيه الخلاف في هذه الأمة من حين دعوة النبي صلى الله عليه وسلم, وأمّا توحيد الربوبية فهذا شيء آخر وهو مقرر ولا إشكال فيه, ولكن فقر العبد إلى الله تبارك وتعالى هو أن يعبد الله لا يشرك به شيئًا, ولهذا يقرر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى, كما في الفتاوى في الجزء الأول, عشرة أصول في باب توحيد الإلهية, يقرر عشرة أصول ومن أهمها وأبرزها يقول:
"واعلم أن فقر العبد إلى الله تعالى, أن يعبد الله لا يشرك به شيئًا, ليس له نظير فيقاس به, وحقيقة العبد هو قلبه وروحه ولا صلاح لها إلا بتأليهها لله جل وعلا الذي لا إله إلا هو, فلا تطمئن هذه القلوب في الدنيا إلا بذكره وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته فلا بد من لقائه ولا صلاح لها إلا بلقائه". انتهى كلامه رحمه الله.
ونحن حينما نقرر هذا التوحيد, توحيد الإلهية, ونقول إن دعوة الأنبياء؛ دعاة التوحيد, هي دعوة إلى توحيد الله جل وعلا, أو بعبارة أدق: هي دعوةٌ إلى تحقيق توحيد الله جل وعلا, لأن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. وكما يدل على هذا خبر ابن عباس كما في الصحيحين, وسيأتي تفصيله.
فحينما نقرر تحقيق التوحيد نتكلم عن قواعد في هذا الباب قد تصل إلى العشرة وقد تزيد على ذلك, فنقول أولاً: