فهرس الكتاب
وحُماتها, فغُيِّر مصطلح الجهاد إلى المقاومة أو الثورة كي لا يترتب عليها أي تبعات وأحكامٍ شرعية كما هو الحال مع الجهاد, وقُصّ الثوب وقُصر إلى مفهوم الدفاع, ثم مَن دافع عن دينه وأرضه وعرضه شُوِّهت صورتهم وأعمالهم فصاروا مصاصي دماء متطرفين إرهابيين مجرمين!
إنّ الجهاد هو بذل الجهد واستفراغ الوسع في إعلاء كلمة الدين بالسنان واللسان, قال الله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) , قال الطبري رحمه الله:"جاهدهم بهذا القرآن جهاداً كبيرًا حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض الله", أليس هذا هو جهاد الكلمة بنص الكتاب؟
روى أحمد بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"جاهدوا المشركين بألسنتكم وأنفسكم وأموالكم وأيديكم". وفي المُسند بسندٍ صحيح على شرط الصحيح عن كعب ابن مالك رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم:"إنّ الله عز وجل قد أنزل في الشعر ما أنزل", فقال:"إنّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل", أي أنه يؤثر في نفوسهم تأثير النبل في أجسادهم وأسرع كما في رواية أخرى.
ثم هاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخدم الصورة والصوت لإيضاح حقائق الدين, ففي الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال:"خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطًا فقال هذا الأمل وهذا أجله فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب".
وعن ابن مسعود كما في الصحيح:"خط النبي صلى الله عليه وسلم خطًّا مربعًا وخط خطًّا في الوسط خارجًا منه ..."الحديث.
قال ابن بطال رحمه الله:"مثّل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود أمل ابن آدم وأجله وأعراض الدنيا التي لا تفارقه بالخطوط"انتهى.
وكتاب الله مليء بالأمثال كما قال الحكيم الترمذي:"ضرب الله الأمثال لنفوس العباد حتى يدركوا ما غاب عن أسماعهم وأبصارهم الظاهرة بما عاينوا"انتهى.
فضرب الله مثلاً للكلمة الطيبة والخبيثة, وللمنافق والكافر واليهود, قال الله تعالى: (وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) , وقال سبحانه: (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) , وقال: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) .
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله:"والمعنى الكلي المجرّد يظل حائراً في التصور البشري ومائعًا حتى يتمثل في صورة محسوسة ... - ثم قال - لذلك يضرب القرآن الأمثال للناس ويقرب إلى حسهم معانيه الكبرى بوضعها في صورٍ ومشاهد"انتهى.
فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا لقارئ القرآن ومثلًا للرسول والأنبياء قبله, ولهذه الأمة واليهود والنصارى,