أيُّها المجاهدون؛
احذروا مِن معصية القائد في المعركة، وإياكم والنزاع والشقاق؛ فإن لها تأثيرًا في النصر والفتح، ولكم في غزوة أحد عبرة لمن يعتبر؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] .
قال ابن القيّم رحمه الله؛ مبيّنًا وسائل النصر والتمكين من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45 - 46] ؛ قال:
"فأمر المجاهدين فيها بخمسة أشياء، ما اجتمعت في فئة قط إلا نُصِرت، وإن قلّت وكثر عدوها؛"
أحدها: الثبات.
الثاني: كثرة ذكره سبحانه وتعالى.
الثالث: طاعته وطاعة رسوله.
الرابع: اتفاق الكلمة وعدم التنازع الذي يوجب الفشل والوهن، وهو جند يقوّي به المتنازعون عدوهم عليهم؛ فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام؛ لا يستطيع أحد كسرها، فإذا فرّقها، وصار كل منهم وحده: كسرها كلها.
الخامس: ملاك ذلك كله، وقوامه وأساسه؛ وهو الصبر.
فهذه خمسة أشياء تُبتَنى عليها قبة النصر، ومتى زالت أو بعضها زال: زال من النصر بحسب ما نقص منها، وإذا اجتمعت قوّى بعضها بعضًا، وصار لها أثر عظيم في النصر، ولما اجتمعت في الصحابة: لم تقم لهم أمة من الأمم، وفتحوا الدنيا، ودانت لهم العباد والبلاد، ولما تفرّقت فيمن بعدهم وضعفت: آل الأمر إلى ما آل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل". انتهى كلامه رحمه الله."