أما على مستوى تطبيق الحدود فلم يكن المجاهدون يجاملون في هذه المسائل والكل عندهم سواسية، فأذكر مرة أن أحد الناس سرق خروفا من مزرعة جاره فحكم القاضي بقطع يده، عندما جاء شيخ العشيرة وقال بأنه مستعد لإعطاء مائة خروف مقابل عدم قطع اليد، فغضب المجاهدون وطبقوا حكم الله. وأشهد الله أن الناس انضبطوا انضباطا كبيرا وساروا على الصراط المستقيم وانتشر الأمان حتى أني أذكر أن أحد أقاربي سقط منه ذهب في وسط المدينة، فعاد بعد أسبوع فوجده، لأن الناس لم يعودوا يسرقون.
كما أذكر أن أخا يمنيا كان يبعثه ولي المنطقة، فيأتينا ويدخل على شيخ العشيرة ويسأله عن حاجات العشيرة المادية فان كنا نحتاج النفط والغاز وفروه لنا مجانا، وكانوا كذلك يوزعون الصدقات على الفقراء ويحرصون على الأرامل وأهالي الشهداء.
* قلت لنا من قبل أنك آويت اثنان من المهاجرين في بيتك فهل يمكن أن تحدثنا عنهم؟
عاش في بيتي اثنان من المهاجرين شرفني الله باستضافتهم
أما الأخ الأول فيكنى بأبي حمزة وهو من بلاد الحرمين وقصته عجيبة ولكني لم أعرفها إلا قبل يوم من استشهاده.
فقد كان أبو حمزة رحمه الله ضمن الذين سجلوا أنفسهم لتنفيذ عملية استشهادية، وفي يوم من الأيام دعاني أبو حمزة مع بعض الاخوة إلى وليمة تكفل بها هو بماله الشخصي، وعندما حضرنا وحضر الجميع علمت أن سبب الوليمة هو أن اسم أبو حمزة قد خرج في القرعة التي يتم بها اختيار الاستشهادين، فتعجبت حتى أني عندما قلت هذا الكلام لأمي وأختي بكيتا بكاء شديدا وتعجبتا من إيمان هذا الشاب الذي كان عمره على ما أذكر خمسا وعشرين عاماً.
وبينما نحن جلوس يحدث بعضنا البعض وكان بجانبي ابن عم أبي حمزة وهو الذي صاحبه في هجرته، عندها سألته عنه وعن حاله حينما كان في بلاد الحرمين. فقال ابن عمه أن أبا حمزة كان من عائلة غنية جدا وأن أباه كان مليونيرا، وكان أبو حمزة أصغر إخوانه فتزوج كل الإخوة وبقي أبو حمزة يعيش في البيت مع والده وكانت أمه قد توفاها الله. وكان الأب يحب أبا حمزة حبا شديدا حتى أنه لم يكن يستطيع مفارقته بل وكان ينام معه على سرير واحد وكان الأب يعطي ابنه كل ما يطلب حتى انه كان يهدي أبا حمزة بعد نجاحه في كل سنة جامعية، كان يهديه أفضل سيارة من أفضل طراز. وقد أعجب بعض الأمراء والشيوخ بابي حمزة لأنه غني وشاب خلوق وملتزم فأرادوا أن يزوجوه وعرضوا بناتهم للزواج وكان الأب يرفض ويقول:"أنا أريد امرأة تليق بابني".
وبقي أبو حمزة على هذا الحال إلى أن بدأ الجهاد في بلاد الرافدين، حينها بدا على وجهه الهم والحزن وصار كثير الصمت، فتعجب والده وكان يقول له:"ما بك هل قصرت معك في شيء"فكان يقول أبو حمزة"لا يا أبي بارك الله فيك". فيقول الأب هل تريد مالا، اذهب واسحب ما تشاء"فيقول أبو حمزة"بارك الله فيك عندي من المال الكثير"فقال له أبوه مرة: هل تريد أن تتزوج"فسكت أبو حمزة ثم قال: نعم ولكنك لن توافق على التي اخترتها"فقال الأب: والله لو كانت في الصين لبعثت من يأتيك بها اليوم قبل الغدا. عندها قال أبو حمزة"يا أبي اجمع الناس والأقارب، عندي كلام أريد أن أقوله"."
عندها ذبح الأب جملا وصنع وليمة كبيرة وجمع الأعمام والأخوال والأقارب وقال: ان أبا حمزة يريد أن يتزوج ويحب أن يحدثنا عن الزوجة التي اختارها. عندها نظر الجميع إلى أبا حمزة متشوقا لمعرفة من اختار هذا الشاب الذي رفض الزواج ببنات أكبر الأمراء في الدولة.
حينها قال أبا حمزة:"يا أبي هل أزعجتك في شيء قال الأب لا والله". فقال أبو حمزة:"ألم أكن بارا بك، قال الأب بلى، يشهد الله أنك كنت بارا بي". فقال أبو حمزة:"فاني أريد الحورية"، فقال الأب: كيف!! لم أفهم؟"فقال أبو حمزة"أريد أن أذهب إلى العراق"."
عندها سقط الأب ونقل إلى المستشفى وبقي فيه ما يقارب الأسبوع وبعدها قال:"اجمعوا الناس مرة أخرى، عندي كلام سأقوله". وبالفعل جمع الناس كلهم مرة أخرى وجلس أبو حمزة حزينا وجاء الأب وبدأ بالكلام فقال:"يا ابني الجميع يعلم بمدى حبي لك حتى أني لم أقبل بتزويجك ببنات كبار الأمراء لأني أريد من تليق بك، فالبداية عندما قلت لي من تريد، لم أستوعب الأمر ولكن بعد أن فكرت، فوالله لا أظن أن واحدة غير الحورية تليق بك، فان أردت أن تذهب فاذهب ولا تخبرني كي لا أموت قهرا".
عندها بكى الجميع وقبل أبو حمزة رأس أبيه ... أسال الله أن يتقبل أبا حمزة وأن يزوجه بالحور العين.