وقد أدرك بعض عقلائهم أنهم لا يستطيعون أن يقفوا أمام المسلم المجاهد الصابر الواثق بوعد ربه، إذ ينظر المجاهد إلى جيش الكفار فيرى الحور الحسان تزفُّه في أواخر صفوف الأعداء، يطير إليها ويقاتل بشراسة وإصرار، وقد عزم أمره لا يثنيه عن الوصول إليها جيوش الدنيا بأسرها.
وينظر الكافر إلى صفوف المسلمين فيرتعد خوفًا وينتابه الرعب من هول الموقف وهول اللقاء. ينظر المسلم داخل سبطانة بندقية العدو فيرى مقعده من الجنة، فيطير نحو عدوه مبتسمًا فارًّا إلى ربه، مستعجلًا للقاء ربه، متمنيًا أن تكون نهايته على يد كافر محاربٍ لله، حتى تبدأَ حياته الحقيقة في جنات عدن. وينظر الكافر إلى بارودة المسلم فيرى نهاية شهواته وملذاته وكل حياته، فلا يرى أمامه إلا نهاية وخيمة؛ إما الموت الذي يُنهي وجوده في جنة قذرة، هذه جنته نحن نراها قذرة وهو يراها جنة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنها جنة الكافر وسجن المؤمن) ، وإما يراها إذلالًا بأسر أو ما شابه ذلك.
وحتى نَفهمَ الصبر لا بد أن نعرف أن الابتلاء سُنَّةُ الله تعالى في عباده، {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [1] . قال سبحانه وتعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [2] ؛ فهذه الدنيا كلها تعب ومشقة، كلها عناء وامتحان وبلاء، هذه طبيعة حال بني البشر، لا يرتاح في هذه الدنيا أبدًا لأنها لم تُخلق للراحة، وإنما خلقتْ وحلقنا من أجل الامتحان والفتنة، نعم؛ {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [3] ، {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [4] ؛ فالله -عز وجل- خلق هذه الدنيا وخلقنا معها للتمييز والامتحان وللصبر.
كل أمر نمر به هو امتحان وفتنة وبلاء؛ عندما تسمع منادي الصلاة، هذه فتنة، عندما تبيع أو تشتري هذه فتنة، عندما تعامل أهلك هذه فتنة، عندما يدخل العدو الغاصب إلى بلاد المسلمين فيسرق وينهب ويقتل ويخَّرب ويفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل، هذه فتنة، عندما تسمع دوي الطائراتِ وهي تخترق حاجز الصوت فوق رأسك حاملةً البراميل المتفجرة لا تدري أين ستقع أو من سيرتقي إلى الجنان بسبب سقوطها، هذه فتنة.
(1) فاطر: 105.
(2) البلد: 3.
(3) الملك: 2.
(4) الأنفال: 37.