إِلَى اللَّهِ أَشْكُو كُرْبَتِي بَعْدَ غُرْبَتِي ... وَمَا جَمَّعَ الأَحْزَابُ لِي حَوْلَ مَصْرَعِي
فَذَا الْعَرْشِ صَبَّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي ... فَقَدْ بَضَّعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَئسَ مَطْمَعِي
وَقَدْ خَيَّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتُ دُونَهُ ... وَقَدْ ذَرَفَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ
وَمَا بِي حَذَارُ الْمَوْتِ أَنِّي مَيِّتٌ ... وَلَكِنْ حَذَارِي جَحْمُ نَارٍ مُلَفَّعِ
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي [1]
هذه الصورة العظيمة من الثبات والصبر عند البلاء هي صور حصلت لبشر مثلنا، ولا يقول قائل: إن هؤلاء صحابة لا نطيق ما يطيقونه! فقد رأينا في بلاد الشام المباركة صورًا كهذه، كنا نظن أننا لا نراها في حياتنا أبدًا، وأن مثل هذه الصور لا نعرفها إلا في كتب (سير أعلام النبلاء) !
فهذا بطل من أبطال المسلمين من عامة أهل الشام يُخيَّر بين أن يُدفن حيًا وجنود الطاغية بشار -قاتله الله- يُذيقونه سوء العذاب وهو يردد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله! يكررها حتى طمروه بالتراب، وينقطع صوته بآخر أنفاسه، (ومن كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) كما جاء في الحديث.
هذا هو الصبر والثبات الذي يرفع صاحبه درجات في الدنيا والآخرة.
إنكم يا أهل الشام تتحملون آلام كثيرة؛ آلام الحروب والمعارك، وتصبرون على ما أصابكم من خوف وتشريد ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ولكن لا بد أن نعلم أننا لسنا وحدنا، وكل ذلك يهون، والأهم ألَّا يضيع ديننا، يقول أبو العتاهية:
إِذَا أَبْقَتِ الدُّنْيَا عَلَى الْمَرْءِ دِينَهُ ... فَمَا فَاتَهُ مِنْهَا فَلَيْسَ بِضَائِرِ
(1) (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) ، باب المهاجرون من الصحابة ص:112.