فهرس الكتاب
النموذج السادس
روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، عن أسلم أبي عمران، قال حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحبباً فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
أما أقوال السلف في تجويز هذا الأمر، فما قاله صاحب المغني"ابن قدامة المقدسي"حين سئل:"لو أن رجلاً من المسلمين اقتحم في صفوف الكفار وأيقن الهلكة مع يقينه بعدم حدوث النكاية في العدو، هل يجوز هذا؟"
فأجاب: نعم يجوز، وهذا حتى يعلم الكفار أن في أمتنا من يحب الموت أكثر من الحياة.
بمعنى آخر، هو ترسيخ لمفهوم الاستشهاد في نفوس الأمة، وإشعار العدو بأن في أمتنا من يحرص على الموت أكثر مما يحرص هو على الحياة، وهو دون شك سلاح من شأنه أن يقذف الرعب في قلوب العدو.
وعلّق شيخ الإسلام ابن تيمية على قصة المرأة التي ألقت بنفسها ورضيعها في النار، بقوله:"وفي هذا يُعلم أنه يجوز للمرء أن يلقي بنفسه إلى التهلكة ليُظهر الحق أو ليعرّف الناس الحق".
وفي سلفنا الصالح الكثير من العلماء الذين"ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة"، في مواجهة بعض الحكام أو الولاة الظالمين، فكان مصيرهم الموت المحقق، وعلى رأسهم سعيد بن جبير مع الحجاج، ولم يقل أحد من السلف أنهم ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة أو أبخسوا أو عابوا عنهم عملهم هذا، بل بالعكس، فهؤلاء ينطبق عليهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم"سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله".
والعلة في هذا هو مجرد إظهار الحق، وما كان يغلب على ظن هؤلاء العلماء الشهداء، أن مواقفهم ستغير من واقع هؤلاء الحكام شيئاً أو أنها ستزيل ظلمهم، إنما كانت نيتهم هو مجرد إظهار كلمة الحق لا غير، فاستحقوا بذلك لقب سيد الشهداء.
من المعاصرين، نجد ما قاله الشيخ سليمان بن ناصر العلوان:
وأدلة جواز هذه العمليات الاستشهادية كثيرة وقد ذكرت في غير هذا الموضع بضعة عشر دليلاً على مشروعية الإقدام على هذه العمليات وذكرت ثمارها والإيجابيات في تطبيقها ..
قال تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} البقرة.