وفي المنقول عن الصحابة وأئمة التابعين في معنى هذه الآية دليل قوي على أن من باع نفسه لله وانغمس في صفوف العدو مقبلاً غير مدبر ولو تيقن أنهم سيقتلونه أنه محسن في ذلك مدرك أجر ربه في الصابرين والشهداء المحتسبين وفي صحيح مسلم (3005) من طريق حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة (الملك والساحر والراهب والغلام ... الحديث وفيه فقال الغلام الموّحد للملك الكافر: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد. وتصلبني على جذع ثم خذ سهماً من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال باسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صُدْغه فوضع يده في صُدْغه في موضع السهم فمات فقال الناس: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام. فأتي الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرُك. قد آمن الناس. فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخُدّت وأضرم النيران وقال من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق) .
ففي هذا دليل على صحة هذه العمليات الاستشهادية التي يقوم بها المجاهدون في سبيل الله القائمون على حرب اليهود والنصارى والمفسدين في الأرض .. فإن الغلام قد دل الملك على كيفية قتله حين عجز الملك عن ذلك بعد المحاولات والاستعانة بالجنود والأعوان. ففعلُ الغلام فيه تسبب في قتل النفس والمشاركة في ذلك والجامع بين عمل الغلام والعمليات الاستشهادية واضح فإن التسبب في قتل النفس والمشاركة في ذلك حكمه حكم المباشرة لقتلها. والغاية من الأمرين ظهور الحق ونصرته والنكاية باليهود والنصارى والمشركين وأعوانهم وإضعاف قوتهم وزرع الخوف في نفوسهم.
والمصلحة تقتضي تضحية المسلمين المجاهدين برجل منهم أو رجالات في سبيل النكاية في الكفار وإرهابهم وإضعاف قوتهم قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ .. } الأنفال.
وقد رخص أكثر أهل العلم أن ينغمس المسلم في صفوف الكفار ولو تيقن أنهم يقتلونه والأدلة على ذلك كثيرة. )) انتهى. (نقلاً عن صفحة التوحيد الإسلامية - ميدان الحوار) .
ومن المعاصرين أيضاً، ذهب إلى تجويزه الشيخ حسن أيوب في كتابه"الفدائية في الاسلام"، وكذلك الشيخ المجاهد"أبو قتادة الفلسطيني"وآخرون.
والآن نقف مع فتوى الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - في هذا الأمر، لأنه كان - ولا يزال - يمثل موقف الفئات المناهضة للعمل الجهادي ضد الأنظمة المرتدة أصلاً (باستثناء جهاد اليهود أو الروس أو الهندوس، فهذا الجهاد بالنسبة لهم جهاد مشروع ومقبول) ويعتبرون أن قتال المرتدين - خاصة حكوماتنا وأنصارهم من جنود وأعوان ومخبرين - هو غير شرعي، بل محرم عندهم ولا يمت إلى الإسلام بصلة، ويعتبرون كل من يجاهد هؤلاء المرتدين مجرد خوارج جاهلون بأمور الدين ومتطرفون، أو على أخف التقادير متسرعون ... إلى آخر الصفات والاتهامات المعروفة.
أنقل نص الفتوى للشيخ ابن عثيمين، ثم أعقب عليها بما تستحق.