فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 3505

ريب قلبه ومرض فؤاده، وتركه ما أمر الله به من الجهاد ... فظلم المقاتلة بترك الجهاد عن المسلمين من أعظم ظلم يكون" [1] ."

-وقد يكون السبب في ذلك؛ هو الضن بالنفس عن الاستمرار في المعارك وخوض غمارها، تحت وطأة عوامل نفسية واجتماعية، والإصابة بالإحباط، وهذا داء عضال يصيب الكثيرين، ولذا كان الأنبياء والصالحون يستعيذون بالله من الشح.

"فقد رؤي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يطوف بالبيت ويقول: (يا رب قني شح نفسي، رب قني شح نفسي) ، فقيل له في ذلك، فقال: (إذا وقيت شح نفسي فقد وقيت البخل والظلم والقطيعة) - أو كما قال -" [2] .

فهذا الشح - الذي هو شدة الحرص في النفس - يوجب البخل بمنع ما هو عليه، والجبن والبخل آفتان متلازمتان، فالضنين لا يجود بروحه، وكلا الرجلين - الجبان والبخيل - لا يذوق طعم الحياة الرفيعة، بينما الجواد بروحه لا يبخل بماله.

أثامن بالنفس النفيسة ربها ... وليس لها في الخلق ثمن

بها تملك الأخرى فإن بعتها ... بشيء من الدنيا فذاك هو الغبن

لئن ذهبَتْ نفسي بدنيا أُصيبها لقد ذهبتْ نفسي وقد ذهب الثمن

ويقول آخر - يصف أحد الشهداء أبى أن ينكص على عقبيه ويتخلى عن سبيل الجهاد والاستشهاد في سبيل الله:

فتىً مات بين الطعن والضرب ميتةً ... تقوم مقام النصر إن فاته النصر

وما مات حتى مات سيفه ... من الضرب واعتلت عليه القنا السُّمر

وقد كان فوت الموت سهلاً فرّده إليه الحِفاظُ المرُّ والخلقُ الوَعْرُ

ونفسٌ تعافُ العارَ حتى كأنما ... هو الكفر يوم الرّوع أو دونه الكفرُ

فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها: من تحت أخمصك الحشرُ [3]

ولعل أحد الأسباب أيضاً؛ هو كثرة الجراحات وانفضاض الأعوان وتكالب قوى الكفر على أي حركة جهادية تقوم في أية بقعة من العالم، أو لكبوة أصابت الحركة في بعض

(1) الفتاوى: 28/ 168.

(2) الفتاوى: 28/ 144.

(3) من قصيدة أبي تمام في رثاء محمد بن حميد الطوسي حين قتل في حرب بابك الخرمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت