ولا أدري بأي نفسية يجلس المسلمون إلى مائدة المفاوضات جنباً إلى جنب مع أعدائهم؟! وبأي خطاب يتوجهون إليهم؟! وكيف يتواضعون لهم -"والتواضع للظالم معصية، بل من تواضع لغني لأجل غناه لا لمعنى آخر يقتضي التواضع؛ ذهب ثلثا دينه، فكيف إذا تواضع للظالم، وقد جاء في الأثر: (من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصى الله) " [1] .
سئم الفؤاد الزور والتضليلا ... لا نرتضي غير الجهاد سبيلا
قالوا: مهادنةً! فقلت لهم: متى ... أَجْدَتْ مهادنةُ اللئام فتيلا؟
يا من تنكبتَ الطريق بلا هُدى مهلاً، أتيت من الأمور جليلا
المجدُ لا يُعطى ولكن يُشترى بالنفس إن الرب كان كفيلاً
إن المعركة بين الحق والباطل؛ طويلة ومريرة، وهي إلى قيام الساعة، والصبر فيها على النفس والضغوط الداخلية والخارجية؛ ركن من أركانها ودعامة من دعائمها، ولا يجوز النكول بأي حال من الأحوال، والله يحفزنا ويحضنا على الثبات والجهاد بقوله: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً} ، وبقوله تعالى: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين * قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم} .
لهذا يجب على قادة الحركات الجهادية؛ ألا يقتصر جهادهم على بقعة إقليمية دون سواها.
صحيح أن قتال الطواغيت المرتدين المتسلطين على رقاب المسلمين في كل بلد هو قتال مقدم على غيرهم من سائر الكفار، ولكن يجب استغلال الساحات الجهادية المشتعلة الأخرى والتي تحتاج إلى نصرة المسلمين المجاهدين، كالشيشان - مثلاً - حيث الآلة العسكرية الروسية تطحن الشعب الشيشاني طحناً، وما من يوم يمر إلا وعشرات القتلى والجرحى يتساقطون من صفوف الشعب الأبي الذي ضَرب - وما زال يضرب - لنا المثل في الصمود والتصدي حتى النهاية، وعلى التمسك بالعقيدة والسعي لتطبيقها في الواقع العملي، ولو كلفهم ذلك الفناء عن بكرة أبيهم، فأعداء الإسلام كثر وكل نكاية في أي من هؤلاء الأعداء فهو عمل صالح وقربة إلى الله يتقرب به إليه.
(1) مختصر منهاج القاصدين: 121.