خارجِ الساحةِ على الأقل، فالعلويونَ السوريونَ هُمْ مَنْ يعيِّنُ رئيسَ الدولةِ، ويُمَدِّدونَ له رياستَهُ بما يخالِفُ دستورَهُمُ المزعوم، والنظامُ السوريُّ هُوَ مَنْ يُعَيِّنُ رئيسَ الوزراءِ، وهُوَ مَنْ يُرَشِّحُ قائدَ الجَيشِ أيضا، ولمْ يكنْ ممكنًا لأحدٍ في لبنانَ أنْ يخرجَ عَنْ سيطرةِ هذِهِ القوةِ العلويةِ المهيمنةِ على لبنانَ.
وبعدَ خروجِ السوريينَ العَلَويينَ وجزءٍ كبيرٍ مِنْ مُخابراتِهِمْ مِنْ لبنان؛ وُكِلَ الأمرُ لحزبِ الله؛ فَمَنْ رضيَ عَنهُ الحزبُ والشيعةُ عموما .. يُحمى ويُدعَمُ ويَقْوَى جانبُه، ومَنْ خالَفَ الحزبَ ولمْ يرْضَ عَنهُ قادةُ الحزب؛ فإنَّ التهميشَ والإقصاءَ عَنِ الساحةِ مصيرُه، وإنِ اسْتدعَى الأمرُ قَتْلَه .. فإنهُ يُقتَلُ ليُزاحَ عَنِ الساحةِ.
والجيشُ اللبنانيُّ مَوكُولٌ لَهُ حِفظُ الأمْنِ في لُبنانَ، ومحاربةُ الخارجينَ عَنِ القانون، وظاهرُ الأمر: أنَّ الجيشَ تحتَ قيادةِ النصارى متمثلينَ في قيادتِهِ، ورئيسِ مخابراتِه، ولكنَّ واقعَ الحالِ غيرُ ذلك؛ فالمتبصرُ والعارِفُ بالحالِ عَنْ قُرْب؛ يَعلَمُ أنَّ هذِهِ القيادةَ ليسَتْ إلا قيادةً شكليةً تمامًا، كَمَا هُوَ حالُ حكُومَةِ الوُزَراءِ اللبنانيةِ التي هيَ أسماءٌ ومناصبُ بِلا مُسَمَّيَاتٍ وحقائق، فالمتنفذُ في الجيشِ، والمسيطرُ الحقيقيُّ علَيْهِ، والمحرِّكُ الفعليُّ لَهُ؛ هُمُ الشيعة، فلا يصدُرُ قرارٌ إلا بإذنِ الشيعة، ولا يُعزَلُ قائدٌ أو ضابطٌ إلا بإذنِهِمْ، ولا يَدخُل الجيشُ معركةً إلا بإذنِهِمْ، ولا يَستطيعُ قائدُ الجيشِ أن يُحركَ مِنْ جيشِهِ ساكنًا، إلا بإذنِ الشيعةِ، بَل إنهُ يَسعَى لنيلِ رِضاهُمْ؛ لأنَّهُ يَعلَمُ أينَ تقَعُ مكامِنُ القُوَى فِي لبنان ..
ولهذا الخنوعِ التامِّ مِنْ أكبرِ رؤوسِ الجيشِ وأهَمِّ عناصِرِهِ لسيطرةِ الشيعة، فإنَّ الشيعةَ في لبنانَ -متمثلينَ في حركَتَيْ أملَ وحزبِ اللهِ- يَستخدمونَ الجيشَ كأنجعِ أداةٍ لِقمعِ أهلِ السنةِ بِدعوَى حمايةِ القانونِ والمحافظةِ على الأمْنِ وحربِ الإرهاب، ولِيُظهِرُوا بذلك للدولِ الغربيةِ إخلاصَهُمْ في الحربِ على ما يُسَمُّونَهُ بالإرهاب ..
ولمعرفةِ كيفيةِ إدارةِ الجيشِ اللبناني؛ يَحسُنُ هنا الاستطرادُ وذكرُ بعضِ التفاصيلِ في ذلك:
لَمَّا كانَتِ القوَّةُ التي تُسَيِّرُ الجيشَ ومخابراتِه وتسيطرُ عليهِ هُمُ الشيعة، كانَ مِنَ المناسِبِ أنْ يكونَ لَهُمْ مندوبٌ في الجيشِ، ويكونُ لَهُ نفوذٌ في مخابراتِ الجيشِ وعساكِرِهِ، فكانَ قلبُ الشيعةِ في الجيشِ .. هُوَ العميدُ الشيعيُّ عباسُ إبراهيم.